فوضى الحواس )"الفصل الثاني"( للكاتبة المتميزة >>أحلام مستغانمي <<

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

تقنية فوضى الحواس )"الفصل الثاني"( للكاتبة المتميزة >>أحلام مستغانمي <<

مُساهمة من طرف Malina في 21.08.08 23:16

الفصل الثاني


دوما

بين الرّغبات الأبدية الجارفة.. والأقدار المعاكسة.. كان قدري.

وكان الحب يأتي , متسللاً إليّ, من باب نصف مفتوح, وقلب نصف مغلق.

أكنت أنتظره دون اهتمام, تاركة له الباب موارباً. متسليّة بإغلاقه نوافذ المنطق؟

قبل الحب بقليل, في منتهى الالتباس, تجيء أعراض حبّ أعرفها. وأنا الساكنة في قلب متصدع الجدران, لم يصبني يوماً, هلعٌ من وَلَعٍ مقبل كإعصار.

كنت أستسلم لتلك الأعاصير التي تغيّر أسماءها كلّ مرة, وتأتي لتقلب كلّ شيء داخليّ.. وتمضي بذلك القدر الجميل من الدمار.



دوماً..

كنت أحبهم. أولئك العشاق الذين يزجون بأنفسهم في ممرات الحب الضيقة, فيتعثرون حيث حلّوا, بقصة حب وضعتها الحياة في طريقهم, بعد أن يكونوا قد حشروا أنفسهم بين الممكن والمستحيل.

أولئك الذين يعيشون داخل زوبعة الحبّ التي لا تهدأ, مأخوذين بعواصف الشغف, مذهولين أمام الحرائق التي مقابل أن تضيء أياما في حياتهم, تلتهم كل شيء حولهم, جاهزين تماما.. لتلك اللّحظات المضيئة خلسة, والتي ستخلف داخلهم عندما تنطفئ رماد انطفائهم الحتميّ.

أحبّهم.. وربّما كنت أشبههم.

ولكن هذه المرّة, توقعت أنني أذكى من أن أتعثر في قصة حب وضعها الأدب في طريقي. لا ليختبر قدرتي على الكتابة, وإنما ليختبر جرأتي على أخذ الكتابة مأخذ الحياة.

كنت في الواقع, مأخوذة بمقولة لأندريه جيد "إنّ أجمل الأشياء هي التي يقترحها الجنون ويكتبها العقل".

مأخوذة بها إلى درجة أنني , عندما اقترح علي الجنون أن اذهب إلى موعد ضربه بطل قصتي لامرأة أخرى, أخذت اقتراحه مأخذ الجد, وقررت أن أذهب بذريعة كتابة شيء جميل.



كنت مرتبكة لعدة ساعات قبل الموعد, ذلك الارتباك الذي يسبق لقاءً لا ندري ماذا ينتظرنا فيه, ولكننا نصر على الذهاب إليه, لأن شيئا ما يأمرنا بأن نذهب.

صحيح أنه كان بي فضول لمعرفة ذلك الرجل, وفضول آخر لمشاهدة ذلك الفيلم. فقد يكون الطريق الأقصر لفهمه.. ولفهم إصراره على مشاهدته.

ولكن كنت أعي تماما أنني ارتكب حماقة غير مضمونة العواقب, بذهابي بمفردي لمشاهدة فيلم, في مدينة مثل قسنطينة, لا ترتاد فيها النساء قاعات السينما. فما بالك إذا كانت هذه المرأة زوجة أحد كبار ضبّاط المدينة, وتصل إلى السينما في سيّارة رسمية, لتجد في انتظارها جيشا من الرجال اللذين لا شغل لهم سوى التحرش بأنثى, على قدر كاف من الحرية أو من الجنون, لتجلس بمفردها في قاعة سينما.



ولهذا تعمدت أن أصل متأخرة عن الفيلم بربع ساعة, كي لا أقف في طابور الانتظار, أو أدخل القاعة على مرأى من الناس.

... تماما كما طلبت من السائق أن يعود قبل موعد انتهاء الفيلم بربع ساعة, تفاديا لتلك الأضواء التي ترافق نهاية كل عرض, وتجعل الناس يتفحصون بعضهم بعضا بفضول كثيرا ما أربكني.

ولأنني وصلت بعد فترة من بدء الفيلم كان لي حرية اختيار مكاني, وهو الأمر الذي مكنني من الوقوف لحظات وإلقاء نظرة على الجو العام للقاعة التي بدت لي نصف فارغة.

كما توقعت, كان الحضور جميعه رجالا. ومن الأرجح أن يكون من الشبان الذين جاؤوا لإهدار الوقت في قاعة السينما بدل إهداره وهم متكئون على جدار.

وحدهما رجل وامرأة, كانا يجلسان على انفراد في آخر القاعة ويبدو أنهما كانا هنا لسبب آخر.

استنتجت أنهما "هما" فاخترت لي مكانا خلفهما تماما, وكأنني أحتمي بهما, أو أتجسس عليهما.

أتوقع أن وجودي أزعجهما. ولكنهما وجدا في أنوثتي ما يبعد الرعب عنهما.

ما أتعس العشاق في هذه المدينة التي يعيش فيها الحب ممسكا أنفاسه, جالسا في عتمة الشبهات على كراسيّ مزقتها بسكين أيدٍ لم تلامس يوماً جسد امرأة.

أنشغل عنهما بمتابعة الفيلم الذي وصلته, مع وصول البطل إلى الصف في أول الموسم الدراسي.



إنه أستاذ تجاوز سنّ الأربعين ببضع خيبات. دائم السخرية بشيء من الرومنطيقية وربما الحزن المستتر. لقد عاد بعد جيل وأكثر إلى المعهد الذي درس فيه, ليعمل مدرسا في مادة الأدب. ومن الواضح أنه جاء لينقذ الطلبة من الأخطاء التي سبق أن تعلمها على هذه المقاعد نفسها, أو تلك القناعات التي تربى عليها.. وتكفلت الحياة بتكذيبها بعد ذلك.

يدخل الصف بشيء من الاستفزاز المرح, وهو يصفر أما دهشة الطلبة الذين لم يتعودوا تصرفا كهذا, في مؤسسة دراسية صارمة, ومشهورة بمحافظتها على التقاليد العريقة.



يتجه مباشرة, نحو جدار علقت عليه صورة تذكارية, بالأسود والأبيض, لطلبة شغلوا هذه المقاعد الدراسية نفسها, فوجا بعد آخر, وجيلا بعد آخر, على مدى قرن كامل.

هاهو يشير بيده إلى الطلبة أن يلحقوا به, ويطلب منهم أن يتأملوا تلك الصور التي لم تستوقفهم قبل اليوم, ويدققوا في وجوه أصحابها, المجتمعة في صور جماعية للذكرى.

يلحق به الطلبة مندهشين, فيبادرهم وكأنه يواصل حديثا سابقا, أو كأنه يقد لهم نفسه, كواحد سيمر الآخرون أمام صورته.. على أحد جدران هذا المعهد دون انتباه:

"كل اللذين ترونهم على هذه الصور, بهيئاتهم الرياضية التي تشبه هيئاتكم, وعنفوان شبابهم الذي يشبه عنفوانكم, بابتسامتهم العريضة, وطموحاتهم الكبيرة, ومشاريعهم وأحلامهم وثقتهم المطلقة في الحياة, كما هي الآن ثقتكم جميعهم الآن.. عظام تحت قبور فاخرة. لقد ماتوا كما ستموتون!".

وقبل أن يستوعب الطلبة هذا الكلام الغريب, لأستاذ يرونه لأول مرة, يواصل:

"كل واحد فيكم هنا, ذات يوم سيتوقف فيه كل شيء ويبرد جسده ثم تأكله الديدان وكأنه لم يكن.

"انظروا.. إنهم ينظرون إليكم الآن, كأنهم في صورهم هذه, يقولون لكم كلاما لا بد أن تنصتوا إليه. تعالوا.. اقتربوا.. حاولوا أن تلتقطوا كلماتهم.."

يقترب الطلبة مذهولين من جدار تغطيه الصور العتيقة, فيأتيهم صوت الأستاذ من الخلف. وكأنه يتحدث على طريقة المهرجين الذين يحركون دمية بيدهم, وهم يتكلمون على لسانها بصوت باطني, دون أن يحركوا شفاههم.

"استفيدوا من اليوم الحاضر.. لتكن حياتكم مذهلة.. خارقة للعادة. اسطوا على الحياة.. امتصوا نخاعها كل يوم مادام ذلك ممكنا. فذات يوم لن تكونوا شيئا.. سترحلون وكأنكم لم تأتوا.."

ثم يواصل بصوت عاديٍّ:

"كان هذا درسكم الأول. بإمكانكم الآن أن تعودوا إلى مقاعدكم.. وتفتحوا كتاب الأدب.."

لم يمنعني انشغالي بمتابعة الفيلم, من التفكير في الرجل والمرأة الجالسين أمامي, واللذين جئت أصلا لمتابعتهما.

كانا صامتين. لا أدري أكانا حقا مشغولين بمتابعة الفيلم, ولكنهما لم يتبادلا أيّة كلمة.

ورغم ذلك, كنت أشعر كأن تعليمات الأستاذ ونصائحه, قد تركت تأثيرا فيهما. وبدا لي كأن اليد اليمنى للمرأة, كانت تتحرك ببطء نحو ذلك الرجل, وتتقدم نحوه بإصرار.

وهو ما شجعني على الاعتقاد بأنها هي المرأة "ذاتها". مادامت ليست معنية بهذا الفيلم بقدر ما هي معنية بالتحرش بهذا الرجل.

من الواضح أنها مشتاقة إليه. وإلا فماذا عدا الحب يمكن أن يأتي بها إلى هنا, لتكون الأنثى الوحيدة, في قاعة كهذه, لمشاهدة فيلم كهذا؟

شعرت بشيء من الشفقة عليها. وربما بشيء من الشفقة على نفسي أيضا. مادمنا موجودتين هنا من أجل الرجل نفسه.



هذا الرجل الذي يبدوا لي من الخلف, يقارب الأربعين, بشعر مرتب, وهيأة محترمة مقارنة ب"بني عيان" وكل الذين لا يوحي شكلهم بالأمان في هذه القاعة, من الأرجح أنه "هو". إنه يرتدي معطفا, يقف الآن ليخلعه, ويضعه على ركبتيه, بطريقة يغطي بها ركبتي تلك المرأة أيضا. ولن يكون من الصعب بعد الآن أن أتصور ما سيلي ذلك!

في هذه اللحظة, حضر رجل ليأخذ مكانه على الكرسي المجاور لي تماما. وهو ما زاد في إزعاجي وجعلني أندم على حماقة مجيئي إلى هذه القاعة, معرضة نفسي للشبهات. فلا أحد هنا سيصدق أو سيفهم أن كاتبة جاء بها الفضول, وأرادت أن تتلصص على عاشقين, اعتقدت أن من حقها أن تندس بينهما, لأنها خلقتهما!



هما الآن يتبادلان اللمسات المشبوهة على مرأى منها.

وهي تحاول أن تقنع نفسها بأنها كاتبة, وكاتبة فقط, وأن الذي يحدث أمامها يعنيها لفهم أبطال روايتها, لا أكثر.

وهي تدري أنها تكذب, وأن الذي يعنيها هو هذا الرجل, صاحب المعطف, الذي جاء بها إلى هنا لتعذيبها بمغازلة امرأة أخرى في حضرتها لا أكثر, بعد أن أغراها كامرأة بشيء غير معلن لا اسم له وأوهما ككاتبة بأنه يخفي سرا ما تحت معطف صمته, شيئا يبرر هذه المجازفة.

ها قد خلع معطفه ليس لها ولا بسببها. ولكن ليصنع منه غطاءً يلامس تحته جسد امرأة جالسة إلى جواره!

إنه في النهاية, ينتمي السلالة الأسوأ من الرجال, تلك التي تخفي تحت رصانتها ووقارها, كل عقد العالم وقذارته.

كأولئك الذين يجلسون إلى جوار زوجاتهم, بهيبة وصمت. ثم يتركون لأقدامهم حرية مد حديث بذيء تحت الطاولة!



ليس هذا الاكتشاف هو الذي صدمني, بقدر ما أزعجني غبائي في هذه القصة التي تصرفت فيها منذ البدء بحماقة مثالية. واختلقت مواقف وحوارات ومواعيد, فقط كي أعيش في رومانسية الحب الواهمة.

Malina
مديرة المنتدى
مديرة المنتدى

انثى
المساهمات : 23028
النقاط : 27539
التقيم : 68
السن : 29
الجنسية : الجزائر
نوع المتصفح : الفايرفوكس
المزاج :
المهنة :
الهواية :
السمعة :
رسالة sms
everybody makes mistakes:
that' s why they put erasers on pencils


معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://malina.yoo7.com 14

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تقنية رد: فوضى الحواس )"الفصل الثاني"( للكاتبة المتميزة >>أحلام مستغانمي <<

مُساهمة من طرف Malina في 21.08.08 23:18

حتى إنني صدقت أن بإمكان رجل أن يغادر دفاتري, ويضرب لي موعدا خارج الورق.

من الواضح الآن أن ذلك كان ضربا من الجنون.

في لحظة من الخيبة كدت أهم بمغادرة القاعة, والهروب من هذا الجو الموبوء الذي وضعت نفسي فيه, لولا أنني تذكرت أن السائق لن يحضر قبل انقضاء ساعة. وأنني لم أتمكن من متابعة الفيلم الذي تقول لافتة عند مدخل القاعة إنه حصل على عدة جوائز عالمية.

وهكذا عدت لأتابع الفيلم, محاولة تجاهل ما يحدث حولي.



كان الاستاذ يلقي درسا في كيفية فهم الشعر, حسب ما جاء في مقدمة الكتاب المعتمد للتدريس. والتي كتبها أحد كبار المراجع المختصة في النقد. شارحا فيها كيف يمكن تقويم قصيدة, ومقارنتها بأخرى, معتمدين على خط عمودي وآخر أفقي, يلتقيان ليشكلا زاوية مستقيمة, على كل خط فيها درجات نقيس بها عموديا المعنى, وأفقيا المبنى وهكذا, بإمكاننا أن نكتشف ضعف الشاعر أو قوته بين قصيدة وأخرى ومقارنته بشاعر أو بآخر , حسب مقاييس حسابية دقيقة.



وبينما كان الطلبة منهمكين في رسم خطوط عمودية وأفقية على دفاترهم, ناقلين ما يكتبه الاستاذ على السبورة, إذ به يتوقف فجأة ويمحو كل شيء, ويفاجئهم قائلا:

- طبعا.. ليس هذا صحيحا. لا يمكن أن نقيس الشعر طولا وعرضا وكأننا نقيس أنابيب معدنية..

اندهاشنا, انبهارنا, انفعالنا, هو الذي يقيس الشعر. أمام قصيدة, النسا يغمى عليهن, والآلهة تولد. والشعراء يبكون كأطفال.

من يقيس دموعنا, فرحنا, وكل ما يمكن أن تفعله بنا قصيدة؟

أتدرون لماذا نقرأ أو نكتب الشعر؟ لأننا جزء من الإنسانية. كيف يمكن أن نقيس إنسانيتنا بمقاييس حسابية؟ مزَّقوا كل ما كتبتموه على دفاتركم!

يصمت قليلا ثم يضيف:

- ولا بأس أن تمزقوا أيضا هذه المقدمة!

ينظر إليه الطلبة متسائلين عن مدى جدية ما يأمرهم به. ولكن أمام إصراره, لا يملكون إلا أن يقتلعوا الصفحات الأولى من الكتاب, ليكون كتابا لا مكان فيه لشيء عدا الشعر.

أثناء ذلك, كان يمر أمامهم بسلة المهملات, طالبا بعد آخر, يجمع الأوراق الممزقة, بشيء من الغبطة التي وحده يدرك سببها.

إنه لم يعطهم درسا في فهم الشعر. وإنما درسا في فهم الحياة وشجاعة في التشكيك في كل شيء حتى ما يرونه مكتوبا في كتب مدرسية تحت توقيع اسم كبير.

وخاصة الجرأة على تمزيق كل ما يعتقدونه خاطئا, وإلقائه في سلة المهملات!



لا أدري إلى أي مدى تجاوبت القاعة مع هذا المشهد الجميل, وهل وجد فيه البعض ما يبرر مواصلة تمزيقه للكراسيّ.

أما ذلك الرجل الجالس أمامي فكان منهمكا في البحث عن قلم وورقة ما كاد يعثر عليهما, حتى راح يكتب شيئا, توقعته خاطرة يسجلها على ورقة.

لم أقاوم فضول استراق النظر إلى ما كتب, مصطنعة حركة تقربني إلى الأمام.

ماذا لو كان يكتب شيئا بنية ان أطلع عليه؟ فلقد لاحظ وجودي خلفه وتجسسي عليه.

وقبل أن ألمح على الورقة رقما, من الأرجح أنه رقم هاتفيّ, شعرت أن شيئا قد وقع مني. وتحسست أذني, وإذ به قرطي قد سقط أرضا.

انحنيت لأبحث عنه, مستعينة بشعاع ضوء قادم من الشاشة, وإذ بولاعة تشتعل على مقربة مني, ورجل ينحني ليضيء لي المكان.



فاجأني وجود هذا الرجل, الذي كدت أنسى أنه جالس جواري. وربما كان عطره, أو رائحة تبغه هو ما فاجأني الأكثر. فقد شعرت أنه يباغتني, وأن رجولته تقتحمني في تلك العتمة. وهو هنا, على بضعة أنفاس مني, يتابع بحثي عن شيء ما, دون أن يقول شيئا, وحتى دون أن يسألني عمّا كنت أبحث عنه. وكأن تلك الشعلة التي يمسكها بيده, ليست سوى لإضاءة وجهي.

رفعت عينيّ عن الأرض, متسلقة بنظرات بطيئة صدره. ثم عندما وصلت إلى وجهه, كانت عيناه مفاجأتي.

كانت لهما تلك النظرة التي أعطتها العتمة عمقاً مربكا, بقدر ما هو مُغرٍ.

لم يكن بإمكاني أن أدرك, ما لونهما بالتحديد. ولكن أدركت أنه لم يكن أن أواصل النظر إليهما.

فجأة قررت أن أكف عن البحث.

لم يعد أمر القرط يعنيني . ولا ضياعه يزعجني. كلّ الذي يشغلني نظرات هذا الرجل, أو على الأصح حضوره المربك.

أصلحت من جلستي, بعد أن قلت له بصوت خافت بضع كلمات من باب اللياقة:

- أعتذر.. لقد أزعجتك.

ولكنه أطفأ ولاّعته وقال وهو يعيدها إلى جيبه:

- قطعاً..

وعاد إلى مشاهدة الفيلم.

كلمته الفريدة شدّتني, وسمرتني في مكاني. فقد لفظها وكأنه يلفظ كلمة السر التي لا يعرفها سوانا.

ألقى بها في وجهي وكأنه يرمي إليّ ببطاقة تعريفه, بنبرة موجزة فيها شيء من الاستفزاز المهذب.. أو السخرية المستترة. ولم يضف إليها شيئا.

هل صمت كي يقنعني بحجة قاطعة, أنه رجل اللغة القاطعة؟

مذ تلك اللحظة, لم يعد بإمكاني أن أركز على أي شيء مما يحدث حولي..

الحب يجلس دائما على غير الكرسي الذي نتوقعه. تماما, بمحاذاة ما نتوقعه حباً.

وأنا التي خبرت طويلا هذه الحقيقة, كيف جلست أكثر من ساعة, جوار رجل لم أول اهتماما لوجوده. مشغولة عنه برجل آخر, يجلس أمامي. جاء دون أن يدري, متنكرا في زي الحب, فقط لأنه يرتدي معطفا ويجلس صحبة امرأة!

وهذا الذي قال "قطعا" وصمت, ماذا لو لم يكن هو؟ لو أنه قال هذه الكلمة دون تفكير؟ لو أنه جلس هنا, فقط لأنه المكان الأقرب في الصف الأخير؟ لو أن الحياة أرادت أن تسخر مني, ككاتبة, مرتين!



تساءلت دائما: ما هي نوعية المسافة التي تفصلنا عمّا نشتهي؟ أتراها تقاس بالمكان؟ أم بالوقت؟.. أم بالمستحيل؟

وأي منطق هو منطق الرّغبة؟ أيكون منطقا لغوياً أم منطقا زمنياً..

أم منطق ظرف تضعك فيه الحياة؟

وهذا الرجل الذي انتقل بكلمة واحدة, من خانة الغرباء إلى الرجل المشتهى, كيف تمكّن من التنّقل في سلم الرتب بهذه السهولة؟ ترى تواطأت معه اللغة؟ أم العتمة؟ أم هذا المكان الملتبس بين الوهم والحقيقة. بين النهار والليل. بين الحلم والواقع. بين الأدب والحياة؟

لو أنه تحدّث لساعدني بعض الشيء على فهم ما يحدث. ولكنّه لم يفتح أيّة نافذة للكلام. وظلّ مشغولاً عني بمتابعة ذلك الفيلم. دون أن يتوقف أثناء ذلك عن بثّ ذبذبات حديث يقال صمتاً, في عتمة الحواسّ.

وأنا نفسي, لم أجد معه شيئا يمكن أن يقال, وقد انطفأ معه الكلام, لتشتعل به مساحات الصمت.



لا أدري كم قضينا من الوقت على هذا النحو, هو يتابع الفيلم, وأنا أتابعه هو. أو أسترق النظر أحيانا إلى عاشقين, لم يعد أمرهما يعنيني, ولا ما يقولان يسعفني في شيء, مذ قال هذا الرجل, كلمة واحدة.. وصمت!

أثناء انشغالي به, مرّت مشاهد وأحداث, حاولت عبثاً أن أركّز عليها, غير أن أحدها استوقفني.

كان الأستاذ يشرح درساً ما. عندما راح يوضح للطلبة أنّ وجهة نظرنا في أي أمر, تختلف حسب موقعنا, والزاوية التي نقف فيها.

ولذا طلب منهم أن يأتوا صوبه, ويصعدوا الواحد تلو الآخر فوق مكتبه, كي يروا من حيث هم كيف أنّ قاعة الصف نفسها تبدو مختلفة, عندما نراها من فوق مكتب الأستاذ, من الجهة المقابلة لنا.

فالطريقة الصحيحة لفهم العالم. هي في التمرد على موقعنا الصغير فيه, والجرأة على تغيير مكاننا وتغيير وضعيتنا, حتى بالوقوف على طاولة, عوض الجلوس أمامها والإتكاء عليها.

كان يتحدث بينما كان الطلبة يتتالون على مكتبه صعوداً ونزولاً. يستبقي بعضهم قليلاً, طالبا منهم أخذ المزيد من الوقت, للنظر إلى الأشياء من حيث هم, فينظرون إلى مقاعدهم الفارغة دونهم.. ثم ينزلون مندهشين.



وفجأة وبعد أجواء مرحة. يأخذ الفيلم منحى مأساوياً, بانتحار طالب قررّ أن يخوض تجربة مسرحية سراً, وضد مشيئة أبيه, الذي بعث به إلى هذا المعهد الراقي والباهظ التكاليف , كي يصبح طبيبا..

ولا شيء غير هذا.

يحدث ذلك في الليلة التي يقدم فيها عرضه المسرحيّ ببراعة جعلت القاعة تصفق له طويلا, بينما يحضر أبوه الذي يسمع بالأمر, ليؤنبه ويهينه أمام الجميع, ويعود به إلى البيت.

عندها اتجهت أصابع الاتّهام نحو الأستاذ الذي عدّه الأهل سبباً لانتحار ابنهم. وقررت إدارة المعهد طرده لأنه أفسد تفكير الطلبة وحرّضهم, بطريقته الغريبة في التعليم, على التمرد.

وطالبت الإدارة الطلبة بتوقيع عريضة أعدتها ضدّه, مهددة كلّ من يرفض توقيعها بعقوبة الطرد.



كانت بي رغبة في مشاهدة نهاية الفيلم, ومعرفة ما إذا كان الطلبة سيتخلون عن الأستاذ الذي علّمهم كلّ شيء بما في ذلك الدفاع عما يعتقدونه حقيقة, أم هل تراهم سينهزمون, أمام أول مساومة دنيئة تضعهم أمامها الحياة, لولا أنني تنبهت إلى مرور الوقت واقتراب نهاية الفيلم, الذي سيفاجئني الضوء بعده ويحرق شريط حلمي ويحوّلني كما في قصة سندريلا من سيدة المستحيل إلى امرأة عادية, تجلس في قاعة بائسة, جوار رجل قد لا يستحق كلّ هذه الأحاسيس الجميلة التي خلقها داخلي.



وكنت قد يئست من مباغتة هذا الرجل لي بكلمة تؤكد أو تنفي ظنوني. ولذا قررت أن أباغته بانصرافي. فوقفت وتوجهت إليه بكلمات أردتها عاديّة قدر الإمكان:

- عفواً.. هل تسمح لي بالمرور؟

وجاء جوابه كلمة واحده:

- حتماً..

ووقف ليلتصق بكرسيّه, تاركا لي ما يكفي من المسافة, ليلامس جسدي جسده من الخلف, دون أن يحتك به تماما.

مسافة ل أعد أدري أعبرتها في لحظة أم في ساعات. ولكنها المسافة الصغيرة والكبيرة في آن واحد, تلك التي عندما نقطعها, نكون قد تجاوزنا عالم الحلم, إلى عالم الحقيقة.

أكانت كافية.. ليلتصق بي عطره, ويخترق كل حواسي حدّ إيقافي بعد ذلك أشهرا, أمام رجولةٍ لن أستدل عليها سوى بعطرها؟



أعتقد أن نظراته قد رافقتني حتى مغادرتي القاعة. فقد أحسست بها تودعني بصمت, ولكن دون أن يكلف نفسه مشقة استبقائي بكلمة.. أو بسؤال.

من الأرجح أنه كان مأخوذا بنهاية الفيلم. فلحظة غادرت القاعة, كان الأستاذ يجمع أشياءه من الصف. بينما كان ينوب عنه المدير العجوز في إعطاء درس الأدب, في انتظار تعيين أستاذ جديد.

كان المدير يبدو صارما ومتحمسا لإصلاح كلّ ما أفسده هذا الأستاذ. حتى أنه طلب من التلاميذ أن يفتحوا كتبهم على الدرس الأول. لأنه يريد تعليمهم كل البرنامج الدراسي منذ بديته.

ولكنّه فوجئ بهم يملكون نسخا مختلفة عن نسخته؛ تنقصها تلك المقدمة النقدية.

فقد ذهب الأستاذ, ولكن بعد أن ألقى ألى سلة المهملات, كل ما كان يعتقده غير صحيح. ولم يعد بإمكان أحد بعد الآن أن يقنع الطلبة بشيء مزّقوه ورموه.

كان الأستاذ يراقب المشهد بصمت, وهو يغادر الصف محمّلا بأشيائه الصغيرة, على مرأى من المدير.

وعندما وقف ليلقي نظرة أخيرة على طلبته, نهض أحدهم وصعد على مكتبه ليودّعه من علوّه, دون أدنى كلام, بذلك القدر من صمت البكاء.

لحظتها.. كانت عدوى الشجاعة تنتقل إلى بقية الطلبة, الذين راحوا يصعدون الواحد بعد الآخر على طاولاتهم ليوّدعوا صمتأ ذلك الأستاذ الذي طرد من وظيفته, لأنه علمهم الوقوف على الممنوعات والنظر إلى العالم بطريقة مختلفة.

وكما في الحياة, كان هناك قلّة فضلوا البقاء جالسين على كراسي الخضوع, تملقا للمدير.

ولكنهم في انحنائهم, لم يكونوا ليستوقفوا النظر, فقد قصرت قامتهم. وسط صف أصبح كلّه على الطاولات!

كان الأستاذ يغادر الصف. وكنت أغادر القاعة, واثقة من أنني تقاسمت مع ذلك الرجل الغريب لحظة بكاء, بعدما تقاسمت معه لحظة من الرغبة الصامتة.

Malina
مديرة المنتدى
مديرة المنتدى

انثى
المساهمات : 23028
النقاط : 27539
التقيم : 68
السن : 29
الجنسية : الجزائر
نوع المتصفح : الفايرفوكس
المزاج :
المهنة :
الهواية :
السمعة :
رسالة sms
everybody makes mistakes:
that' s why they put erasers on pencils


معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://malina.yoo7.com 14

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تقنية رد: فوضى الحواس )"الفصل الثاني"( للكاتبة المتميزة >>أحلام مستغانمي <<

مُساهمة من طرف Malina في 21.08.08 23:19

ولم يكن مهماً لحظتها أن تكون تلك المرأة التي جلست إلى جواره "هي" أم "أنا"؛ فقد حدثت الأشياء بيننا كما أرادها في عتمة قاعة سينما



ما كدت أرى السائق في انتظاري عند الباب, حتى ألقيت بنفسي داخل السيارة على عجل, وكأنني أريد أن أحتفظ بتلك الأحاسيس الجميلة في مكان مغلق.

خفت على ذلك الشيء الجميل, الذي عشته بصمتٍ جوار رجل غريب أن ينطفئ داخلي بسرعة, أن يقتله أو يبعثره الشارع, بضوئه وضجيجه وفضول مارته وبؤس واقعه.

كان شيئا شبيها بتلك اللحظات التي نعيشها مع شخص لا نعرف شيئاً عنه. نتقاسم معه كرسياً مجاوراً أو مقابلا في عربة ميترو أو في مقطورة, مسافة من الزمن, دون أن نتبادل شيئاً, عدا النظرات المتواطئة. ثم ننزل مكتفين بمتعة الصمت, وبلحظات شفافة مرت بنا كشال من دانتيل الشهوة. وخلفت داخلنا كل تلك الفوضى الجميلة. وإحساسا غريبا بأننا قد لا نرى هذا الوجه بعد ذلك أبداً وأنه كان يكفي قليل من الشجاعة.. وكلمات فقط.. كي يصبح لذلك الوجه اسم وعنوان.

ولكن, ماذا نفعل بمتعة المجهول.. إذن؟

* * * *



في المساء كنت أرتب حقيبة يدي عندما عثرت على ذلك القرط الذي توقعته قد ضاع مني. كان قد وقع داخلها.

تساءلت.. أيمكن لشيء صغير إلى هذا الحد أن يغير مجرى قصة؟ وهل كان لي أن أتنبه لوجود ذلك الرجل إلى جواري – وليس أمامي- لولا تلك الحادثة الصغيرة التي دونها كنت على الأرجح, عدت إلى البيت, واثقة من حماقة مراهنتي على الأوهام؟

نعم.. أليست حياتنا في النهاية إلا نتيجة مصادفات, وتفاصيل أصغر من أن نتوقعها على قدر من الأهمية, بحيث تغير أقدرانا أو قناعاتنا؟

تفاصيل, في حجم تينك الكلمتين, اللتين على صغرهما, جعلتاني أصدق أن الأحلام الأكثر جنونا قابلة للتحقيق, وأنه لا حدود بين الكتابة والحياة.

منذ البدء, أخذت بجمالية تلك العلاقة الغريبة والمستحيلة, وبذلك الحب الافتراضي الذي قد يجمع بين رجل من حبر وامرأة من ورق, يلتقيان في تلك المنطقة المتلبسة بين الكتابة والحياة, ليكتبا معا, كتابا خارجا من الحياة وعليها في آن واحد.

أكثر من انبهاري بشخصية ذلك الرجل , ومساحة الظل فيها , كنت مبهورة بلقائنا المحتمل بين عتمة الحبر .. وعتمة الحواس.

كلما تعمقت في هذه الفكرة. ازددت تصديقا أو تورطا في مقولة أندريه جيد, واثقة تماما بكتابة قصة حب من الجمال إلى درجة لم يعد بها الجنون أية كاتبة قبلي!

الجنون.. بدايته حلم.

وحلمي الليلة, أن أسكن جسد تلك المرأة التي ذهبت نيابة عنها, لمشاهدة فيلم.

أود لو استعرت جسدها لمدة كتاب, كما تستعير النساء عادة مصاغا أو ثوبا يرتدينه لعرس.

في هذه المدينة التي تستعير فيها النساء من بعضهن بعضاً كل شيء ويتبادلن كلّ شيء, أنا التي أعرت الجميع كلّ ما في خزانتي, ماذا لو استعرت الشيء الوحيد الذي لا أملكه حقا؟

جسد امرأة غيري, وجهها, ملامحها , ذاكرتها العشقية, قصتها مع رجل يعنيني أمره, ويعنيني أكثر أن أتأكد من كوني لم أكن أحلم.. ولم أجنّ. وأنني جلست فعلاً إلى جواره لمدة ساعتين.. وأنه قال لي خلالهما كلمتين!

أود لو كان بإمكاني أن أتنكر في زيها, ليكون لي حق رؤيته في الضوء لا في العتمة.

أن نتبادل كلاما طبيعيا, لا كلمات قاطعة أو متقاطعة كتلك التي تبادلناها.

أن نجلس متقابلين, لا متجاورين, في الزاوية اليسرى أو اليمنى في أي مكان كان.

ولكن كيف؟ وأين؟

تستدرجني هذه التفاصيل إلى فكرة على قدر من الجنون, فأركض نحو مكتبي, أحضر الدفتر الأسود. وأشرع في قراءة تلك القصة, قافزة على الأسطر, لاهثة النظرات, بحثا عن شيء محدد, ما أكاد أعثر عليه, حتى أتوقف عن القراءة, بفرحة من عثر على شيء أضاعه في البحر.

أغلق الدفتر, وأتنفس الصعداء. فقد عثرت على اسم المقهى الذي كانا يلتقيان فيه.

وهذه المرة أيضا.. لم أكن قد سمعت به من قبل!



سائق الأجرة الذي طلبت منه مرافقتي إلى مقهى "الموعد", بدا عليه شيء من الاندهاش جعلني أعتقد أن لا وجود لهذا المقهى.

غير أنه سألني, وهو يراني محملة بالجرائد والأوراق, بنية التمويه, إن كنت أقصد المقهى القائم بجوار حي الفوبور. أجبته بالإيجاب, تفاديا لمزيد من الأسئلة.

ولكنه راح يمد معي حديثا عن الأوضاع الأمنية. وعن شرطي ألقوا به ليلة البارحة من الجسر, وعن فتاة ورفيقتها اختطفتا أثناء عودتهما من المدرسة.. وذبحتا.

كنت أستمع إليه وهو يسرد علي أخبار الأقارب والجيران والزبائن. وكل ما سمع به من مصائب. ولا أدري أكان من الأفضل أن أسايره بالحديث, فأشغله عن فضوله تجاهي, أم أصمت, كي لا أِجعه على تعكير مزاجي. فأنا أدري تماما أن الوضع الأمني سيئ هذه الأيام. وهو أحد أسباب زيارة زوجي للعاصمة. ولست في حاجة إلى مزيد من التفاصيل, في هذا الصباح بالذات..

كنت أعي أنني أقترف حماقة أخرى بذهابي إلى مكان لا أعرف شيئا عنه. حتى أني لست واثقة من وجود ذلك الرجل فيه. ولم أحتط, سوى في ذهابي إليه صباحا, في ساعة لا يكون مكتظا فيها بالزبائن, وهو الوقت الذي أتوقع أن يلتقي فيه اثنان, لو أنهما أرادا التلاقي في مقهى.

أما الجرائد والأوراق التي أحملها, بنية التمويه, فيبدو أنها قد تكون سببا إضافيا للمتاعب, ولن تقيني من شبهات أخرى.

في النهاية.. لم يكن لي من شيء أحتمي به في ذلك الصباح سوى مقولة للشاعر الإرلندي شيماس هيني "امش في الهواء..مخالفا لما تعتقده صحيحا!"

وهكذا رحت أمشي نحو قدري, عكس المنطق.



كان المقهى أكثر هدوءاً مما توقعت. وبرغم ذلك دخلته بارتباك واضح. فأنا لا أدري عمّن جئت أبحث, ولا أين يجب أن أجلس, ولا ماذا يجب أن أطلب, وهل أخفي أوراقي أم هل أفردها على الطاولة.. وكأنني جئت هنا لأكتب.

وقبل كل هذا.. أية زاوية يجب أن أختار للجلوس. كي لا أخطئ باختيارها قصدي.

هو قال "احجزي لنا طاولة أخرى.. في أية زاوية عدا الزاوية اليسرى.. ما عاد اليسار مكانا لنا".

أيعني أنني يجب أن أجلس في الزاوية اليمنى من المقهى وأنتظر؟ أم أجلس في الزاوية اليسرى, ترقبا لمن سيأتي ويجلس إلى يميني؟!

بدا لي المكان شاسعا. يجلس في ركن أيسر منه شاب وفتاة, مأخوذين بنقاش حول أمر ما. وفي زاويته اليمنى رجل بقميص أبيض دون ربطة عنق, منهمك في الكتابة. أمامه أوراق.. وجرائد.. وكثير من أعقاب السجائر.

جلست في الزاوية المقابلة له. محافظة على مسافة ثلاث طاولات بيننا, تحسبا للخطأ.

بدت منه التفاتة فضولية. نظر إلي بعض الشيء. وإلى الجرائد التي وضعتها على الطاولة. ثم عاد إلى الكتابة.

لم أفهم يوما, كيف يكون بإمكان البعض أن يكتب هكذا في مقهى أو في قطار. دون أي اعتبار لحميمية الكتابة.

أن تجلس لتكتب في مكان علني, كأن تمارس الحب على وقع أزيز سرير معدني. وبإمكان الجميع أن يتابعوا عن بعد, كل أوضاعك النفسية, وتقلباتك المزاجية, أمام ورقة.

حاولت أن أنشغل عن ذلك الرجل, ولكنني لم أتوقف عن متابعته.

أذهلني غيابه لحظة الكتابة. وأذهلني أكثر أنه يكتب كلاما في صيغته النهائية. دون تفكير, أو تردد, أو شطب.

كان يتوقف أحيانا. يأخذ نفسا من سيجارته, ثم يعود إلى الكتابة.

في لحظة ما, بدا لي وكأنه على وشك أن يبادرني بالكلام. فقد توقف بين جملتين. وراح ينظر إلي دون أن يقول شيئا. توقعت التفاتة تفضحه. ولكنه كان وكأنه ينظر إلى شيء وحده يراه. ولم أجد شيئا أهرب إليه من نظرته تلك, سوى فتح جريدة كانت معي.. ورحت أطالعها كيفما اتّفق.

بدت منه لحظتها, ابتسامة مربكة, لم أفهمها تماما؛ أكان يسلم علي بها؟ أم يشفق علي من وحدتي؟ أم يسخر مما أقرأ؟.. أم يقول لي فقط إنه تعرف إليّ

Malina
مديرة المنتدى
مديرة المنتدى

انثى
المساهمات : 23028
النقاط : 27539
التقيم : 68
السن : 29
الجنسية : الجزائر
نوع المتصفح : الفايرفوكس
المزاج :
المهنة :
الهواية :
السمعة :
رسالة sms
everybody makes mistakes:
that' s why they put erasers on pencils


معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://malina.yoo7.com 14

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تقنية رد: فوضى الحواس )"الفصل الثاني"( للكاتبة المتميزة >>أحلام مستغانمي <<

مُساهمة من طرف Malina في 21.08.08 23:20

ربما كانت تلك المرة الأولى التي أطلت فيها النظر إلى ملامحه.

كان على قدر من الوسامة. وكنت أشعر بمودة غامضة تجاه هذا الوجه, وضعف تجاه هذا الحضور الرجالي الصامت الذي لا يشبه في شيء التصرفات الذكورية في هذه المدينة.

إحساس ما, كان يقول لي إنني في زمن ما, أحببت رجلا يشبهه أو أنه يشبه تماما رجلا سأحبه يوما.



ورغم ذلك لم أجرؤ على القول إنه "هو" قبل أن تصدر عنه أية التفاتة تشي به.

أكان منشغلا عني حقا؟ أم كان فقط يتحرش بي بصمته. يجلس أمامي هكذا على مرمى قدر. ينتظر سؤلا يأخذنا إلى شيء قد يحضر؟

أنا المرأة الجبانة التي لم تبادر يوما رجلا بالكلام, كيف لي أنا أشاغبه, أن أشعل تلك الانارات الصغية التي ستجعله يوقف الكتابة ويقول لي شيئا؟

كم تمنيت لحظتها أن ينطق! ولكنه كان يعبث بي بكلام لا يقال إلا صمتا.. ويدخلني في حالة من الارتباك الجميل.

أثناء تفكيري, جاء النادل وسألني ماذا أريد. لا أدري لماذا أجبته على غير عادتي "قهوة".

ربما لأنسيه أنوثتي. مادام الرجال يطلبون عادة قهوة.

ذهب ولم يعد.

ولم يعنني كثيرا أنه لم يأت بقدر ماكان يعنيني قدوم رجل مميز المظهر, يرتدي قميصا اسود ونظارات شمس سوداء, في العقد الرابع من عمره. له خطى واثقة, وأناقة رجولة, في غنى عن أي جهد.

بدا على الرجل وكأنه يعرفني, أو كأنه فوجئ بوجودي هناك؛ فقد ألقى نحوي نظرة مندهشة, ثم سلاما وديا بإشارة من رأسه. ذهب للجلوس جوار ذلك الرجل, الذي توقف أخيرا عن الكتابة. وراحا يتبادلان حديثا,لم يصلني منه شيء.

داهمني شعور بالندم, وربما بالضآلة, كلما طال حديثهما, وكلما طال انتظاري لشيء لا يأتي.

عندما تنتظر أحدا, أنت لا ترى شيئا بعينه, ولا تتأمل شيئا بالتحديد؛نظراتك مبعثر كمزاجك. والذي تنتظره قد يأتي من اللامكان, ويفاجئك وسط ذهولك , وفوضى أفكارك.. وأسئلتك.

من هو هذا الرجل؟ هل تعرف إلي؟بل كيف أتعرف إليه؟وهذه المرأة التي سطوت على هويتها, ما شكلها, ما لون شعرها؟ ما هي عاداتها في السلام.. عاداتها في الكلام.. عاداتها في الانتظار؟

وهذا الرجل الذي بادرني بالسلام ومضى,أتراه يعرفني؟ أم يعرف أخي.. أو زوجي؟ أم تراه يعرفها؟ ولماذا يتأملني هكذا؟ تراني أشبهها؟ تراه كان ينتظرني؟ أم كان ينتظرها؟ أم تراه كان موجودا هنا للتحدث إلى هذا الصديق لا أكثر.. وماذا لو كان "هو"؟

أبحث في عينيه عن شيء ما, عن ذكرى.. عن شوق مؤجل, عن بقايا حزن سري, عن حب مات في هذا المكان.

ولكن عينيه المختفيتين خلف نظارات سوداء, لا توصلانني إلى أي جواب. بينما يطالعني هو عن بعد, دون أن تفضحه نظراته.

أن يسترق النظر غلي أثناء حديثه, هذا لا يعني شيئا. أي رجل غيره كان تصرف كذلك, على الأقل من باب الفضول, إن لم يكن من باب التحرش الصامت بأنثى تجازف بالجلوس بمفردها في مقهى بمدينة كهذه.

وماذا لو كان صديقه, هو الرجل الذي جئت من أجله, وأنه يمثل معي دور التجاهل كما فعل طوال عرض الفيلم, إن هذا الدور يشبهه تماما. إنه رجل يشي به الصمت, وتلك الزاوية اليمنى التي أختارها للجلوس مقابلا للذاكرة.

أخيرا جاء النادل بفنجان القهوة, وضعه أمامي, أو بالأحرى رمى به أمامي وذهب.

انتبهت لعدم وجود السكر جواره, كما هي العادة. رفعت يدي لأناديه, ولكنني عدلت فقد كان بعيدا, ولم أشأ أن أرفع صوتي لأقول كلاما تافها مثل "ياخويا.. يعيشك.. جيبلي سكريه".

شعرت أن صمتي أجمل من أن أكسره لأقول شيئا لنادل, خاصة أن عواقب ما سأقوله لن تكون محمودة, حسب ما توحي به لحيته.

فقد يرفض أن يعطيني السكر. وقد يطلب مني أن أذهب إلى بيتي, واشرب القهوة بالسكر أو بالقطران.. إذا شئت. هذا إذا لم يقلب علي فنجان القهوة.

فمنذ الأزل, الجزائر بلد يمكن أن يحدث لك فيه أي شيء مع نادل!

كتلك الحادثة التي روتها لي صديقة صحافية كانت موجودة في السبعينات في نزل فخم بالعاصمة, مع وفد من الصحافيين الجانب, بمناسبة الذكرى الثلاثين لاندلاع الثورة. وبعد انتظار طويل, وبعد أن يئست من إحضار طلباتها, استدعت النادل, وقالت له على طريقة الشرقيين:

نحن ننتظر منذ نصف ساعة, عليك أن تولينا اهتماما خاصا. إننا ضيوف لدى الرئاسة!

ولكنه رد عليها بطريقة لا يتقنها غير الجزائريين:

ما دمت ضيفة عن الرئاسة.. روحي لعند بن جديد "يسربيلك".

ومضى ليتركها مذهولة.

طبعا عندما عادت إلى سوريا وروت هذه الحاثة, لم يصدقها أحد. فعندنا فقط, يطلب النادل من رئيس الجمهورية أن يخدم ضيوفه بنفسه!



أمام ما أعرفه من قصص. عدلت عن طلب أي شيء من ذلك النادل. خاصة أنني في وضع "مشبوه" بالنسبة إليه.

حتى إنني, لم تكن بي رغبة في النهاية لاحتساء تلك القهوة.

ولكن.. فجأة وقف ذلك الرجل ذو القميص الأسود, واتجه نحوي, وفي يده صحن عليه بعض قطع من السكر.

لا أدري كيف انتبه لما كنت سأطلبه,, رغم كونه كان يبدو منشغلا بالحديث إلى صديقه.



إحساس غامض انتابني وهو يقترب مني. ويمدني بذلك الصحن الصغير. عطره الذي اخترق حواسي, أعادني إلى العطر الذي شممته في السينما, عندما اقترب ذلك الرجل مني ممسكا ولاعة.

فانتابني مزيج من الخوف والاندهاش.

وحدها نظرته كانت تنقص, ليكتمل المشهد. ولكن كان باستطاعته أن يثير داخلي الأحاسيس نفسها, ويقول الشيء نفسه, دون أن يخلع نظارته السوداء؛ فقد اصبح لهذا العطر ذكرى تقودني في عتمة الحواس.. لأستدل عليه.

ولذا لم أقاوم رغبة في استدراجه, أو في اختباره, وأنا أكرر معه المشهد نفسه, مستعملة الكلمات نفسها:

- أسفة.. لقد أزعجتك..

وجاءني الرد, مذهلا في تطابقه:

- قطعاً..

وكما في المرة الأولى قالها ومضى, دون ان يضيف شيئا.

أما أنا, فمن ذهولي بقيت لحظات أتابع عودته إلى تلك الطاولة. وجلوسه بالتلقائية نفسها التي غادرها بها.

لحظات.. أتأمله, قبل أن أصدق ردّاً لفرط ما أردته بدا لي كأنني توهمته.

لم يكن قرطي هو الذي وقع مني هذه المرة. وإنما قلبي الذي أصبح بكلمة واحدة يقع مغمى عليه كلما خطر للحب أن يلعب معي لعبة الغميضة, ويضعني أمام رجلين, عليّ كل مرة أن اتعرف بكلمة واحدة إلى أحدهما!



كنت ما أزال تحت وقع تلك الكلمة, عندما رأيتهما ينهضان. بدت من الرجل صاحب القميص الأبيض إشارة من رأسه كأنه يودعني بها, رافقتها نظرة غائبة تعد بشيء ما. ومضى.

لاحظت انه كان يرتدي بنطلونا أبيض ايضا, بينما توجه نحوي الآخر, ممسكا جريدة, لم تكن معه عند مجيئه.

وقف برهة أمامي.. ثم سألني:

- أتسمحين لي بالجلوس؟

كان يجب أن أقول "لا". أو في حالة أخرى "تفضل" ولكنني أجبت:

- طبعًا..

لكنه لم يجلس. قال وهو ما زال واقفا:

- في الحقيقة.. أنا أكره هذا المكان.. وأفضل أن نذهب لتناول شيء معًا في مقهًى آخر.. أيزعجك هذا..؟

أجبته:

- قطعًا.

طبعا, كان يجب أن اقول العكس. ولكن وجدتني لا أملك من لغة سوى لغته, خاصة أنني وجدت في عدم حبه لهذا المكان, دليلا آخر على كونه "هو".

أخرج من جيبه قطعة نقدية, تركها على الطاولة, ثمن قهوتي. ثم بلياقة فاجأتني, سحب الكرسي الذي أجلس عليه, ليساعدني على مغادرة المكان.

ولم أملك سوى أن اتبعه. أو بالأحرى أن أتبع شيماس هيني وأواصل مشيي في الهواء, مخالفة لما أعتقده.. صحيحا!

أمام باب المقهى أوقف سيارة أجرة بإشارة من يده وجلس جوار السائق. ووجدتني ألحق به, وأجلس خلف سائق شاب, فاجأتني طيبته. مما جعلني أغفر له ضيق سيارته وحرارتها القاتلة.

كنت سأفتح النافذة. ولكنني خفت أن يزيد هذا من احتمال رؤية الآخرين لي. فرحت أنتظر أن ينطق هذا الرجل.. لتنطلق بنا السيارة أخيرا.

- هل تعرف مكانا يمكن أن نذهب إليه؟

التفت السائق دهشا نحوه؛ فلم يحدث أن طرح عليه راكب سؤالا كهذا.

تأمله بشيء من السخرية. ربما أشفق علينا, أو بارك جنوننا..

قال:

- أين تريدان الذهاب؟

أجاب اللون الأسود:

- إلى أي مكان لا يزعجنا فيه أحد. هل هناك مقهى, أو قاعة شاي هادئة؟

ابتسم الرجل ساخرا من طلبه. ومن الأرجح أن يكون قد استنتج أننا غرباء.

أدار محرك سيارته وطار بنا.

كان الطريق بعيدا بعض الشيء. ورغبة لم تفارقني أثناءه. بالجلوس أخيرا الى هذا الرجل. أن أكون جواره أو مقابلة له, لا خلفه كما أنا الآن. يصلني منه بعض عطره, تحمله نسمت سيارة مسرعة. فأتقاسم معه مجرى الهواء.. وكثيرا من صمت الأسئلة.

أولها: لماذا جلس جوار السائق؟ أليضع بيننا مسافة ما.. لسبب أو لآخر, أم لأن أي سائق (أجرة) في الجزائر يشترط علي أن تجلس جواره لا خلفه؟ وقد يذكرك بهذا صارخا في وجهك "يا خو.. مانيش خدّام عندك!".

أما السؤال الأهم فهو ليس سبب جلوسي وراءه وإنما طبعا سبب وجودي معه.

ما الذي أوصلني إلى هنا؟ ترى فضولي الأدبي هو الذي جعلني أدخل مغامرة على هذا القدر من الغرابة؟

أم تراني أذهب نحو الحب بذريعة الأدب؟

وكيف يمكن لرجل لم يقل لي سوى بضع كلمات, أو بالأحرى كلمة, أن يأتي بي حتى هنا, دون أن أسأله حتى من يكون. وكان كل قدراتي العقلية قد تعطلت, لتنوب عنها حواسي. فألحق رجلا اختزن جسدي رائحته؟

في لحظة ما, كدت أسأله "ما اسم عطرك يا سيدي؟" ثم ترددت. جنون أن أسأل رجلا عن اسم عطره, قبل أن أسأله عن اسمه الآن, فسيأخذ السؤال بُعد الإهانة للحلم.

الحلم لا اسم له.

وهو, تراه يعرف اسمي؟ وأي الأسماء تراه يعرف.. اسمي أم اسمها؟ ورفقة من هو جالس.. برفقتي أم برفقتها؟ ومع من هو ذاهب إلى هذا العنوان الذي لا يعرفه, معي أم معها؟

عند "سيدة السلام" توقفت بنا السيارة, أمام مقهى شاهق الموقع, هادئ الأجواء, يطل على أودية لا نهاية لعمقها.

مضى السائق محملا بشكرنا اللغوي.. والنقدي ليتركنا أمام الأسئلة.

أجبنا عن سؤال النادل بالجواب نفسه: "نريد كوكا". وكأننا نقول, نريد أن تتركنا وشأننا.

وصمتا لنترك المجال لأسئلة أكبر.

كنت أعد نفسي لكلام كثير. ولكنه لم يقل شيئا. أشعل سيجارة, وراح يتأملني في نظرة تطالعني بين غيابين. ثم قال وهو يسكب لي المشروب, بيد ما زالت ممسكة بالسيجارة:

- أخيرا أنتِ!

كان في نبرته شوق, أو اندهاش جميل. كأنما لفرطه, لا يمكن أن تختصره أكثر من كلمتين.

شعرت أنه يواصل الحديث إلى امرأة غيري. ربما تلك المرأة التي لم يكن يقول لها شيئا, عدا صمته. وربما امرأة أخرى غيرها.

ذهلت لاستنتاج كهذا. أيعقل أن يأخذني مأخذها؟

ولكنه واصل بما يؤكد ظني:

- غريب حقا.. أن أصادفك في ذلك المقهى. لولا صديقي لما حضرت إلى هناك.

صمت قليلا ثم واصل:

- شيء فيك تغير منذ ذلك الوقت. ربما تسريحتك... أحبك بشعرك الطويل هذا. أتدرين... كدت لا أتعرف عليك لولا ثوبك الأسود.

سألته دهشة:

- وهل تعرف هذا الثوب؟

أجب ضاحكا:

- لا.. ولكنني أعرف لك طريقة في ارتداء الأسود.. لكأنه معك لون خلق للفتنة لا للزهد.

لم أدر كيف أرد على غزل لم اكن مهيأة له, ولا أظنني كنت المقصودة به.

قلت وأنا أسايره في خطاه:

- أما أنا.. فاعترف أنك فاجأتني.. قبلك لم أر رجلا يلبس الأسود في هذه المدينة, حتى لو كان ذلك حدادا. لكأن الرجال يخافون هذا اللون أو يكرهونه.

- وأي لون توقعت أن أرتدي؟

- لا أدري لكن الناس هنا يرتدون ثيابا لا لون لها.



ثم واصلت بعد شيء من التفكير:

- صديقك أيضا يبدو غريبا عن هذه المدينة.

رد ضاحكا:

- لماذا؟ ألأنه يرتدي قميصا.. وبنطلونا أبيض؟

- بل لأنه يرتدي الأبيض باستفزازية الفرح, في مدينة تلبس التقوى بياضا.

- ابتسم وقال:

- صدقيني فرحه إشاعة. إنه باذخ الحزن لا أكثر. والأبيض عنده لون مطابق للأسود تماما!

وأمام صمتي واستغرابي لكلام من الواضح أنني لم أفهمه, واصل:

- الأبيض هو خدعة الألوان.. ألا تعرفين هذا؟

قلت كمن يعتذر:

- لا.. لا أعرف.

وغرقت في لحظة صمت.

كيف لي أن أواصل الحديث مع رجل يبدو هو نفسه كاذب الفرح.. بقدر ما صديقه باذخ الحزن؟

وأنا التي جئت مصادفة لهذا اللقاء.. في ثوب أسود.

كيف أبرر هيأتي, ولم يحدث أن أقمت علاقات لونية مع الأشياء.

حاولت أن أغادر سيرة الألوان, كي لا ينفضح جهلي به؛ قلت:

-عجيبة علاقتنا التي بدأت في العتمة؛ منذ ذلك اليوم وأنا أريد أن أدخل الضوء إلى هذه القصة.

- ابتسم وأجاب:

- ولكننا لم نلتق في العتمة..

- كدت أسأله "أين التقينا إذن؟" ولكن سؤالا كهذا بدا لي غريبا. وقد يفضحني في حال أنه يتوقعني "هي".

- رحت أستدرجه لاعتراف ما؛ قلت:

- أحب قصص التلاقي.. في كل لقاء بين رجل وامرأة.. معجزة ما؛ شيء يتجاوزهما, يأتي بهما, في الوقت والمكان نفسه, ليقعا تحت الصاعقة إياها. ولذا يل العشاق حتى بعد افتراقهما.. وقطيعتهما, مأخوذين بجمالية لقائهما الأول. لأنها حالة انخطاف غير قابلة التكرار, ولأنها الشيء النقي الوحيد الذي ينجو ممّا يلحق الحب من دمار.

توقعت أن يقول ما يشي بلقاء, أو بقصة ما. ولكنه قال:

- كل البدايات جميلة في الحب.. وأجملها بدايتنا.

قلت بمراوغة الاندهاش:

- حقا؟

أجاب:

- طبعا.. لأنها معجزة تتكرر معنا كل مرة.

لم يقل أكثر من هذه الجملة, التي جعلتني استنتج أننا التقينا قبل عرض ذلك الفيلم. ولكن أين.. ومتى؟ تلك أسئلة لم يبد مهيأً للجواب عنها؛ فقد دخل في حالة صمت, واضعا بيني وبينه جملا من ضباب الدخان.

رحت أتأمله للحظات, وهو مشغول عني, بنا.. أو بها.

ثم كسرت الصمت بأول جملة خطرت بذهني.

قلت:

- إن رجلا يرتدي الأسود هو رجل يضع بينه وبين الآخرين مسافة ما. ولذا ثمة أسئلة, لا أجرؤ على طرحها عليك, رغم بساطتها. إنك تبدو لي رجلا يكره الأسئلة..

قاطعني شبه مندهش:

- أنا أكره الأسئلة؟ من قال هذا؟

توقعت للحظة أنني أخطأت. ولكنه واصل:

- أنا أحب الأسئلة الكبيرة.. الأسئلة المخيفة التي لا جواب لها. أما تلك الفضولية, فهي تزعجني بسذاجتها. وأظنها تزعج آخرين غيري..

- وكيف ترد إذن على أسئلة الناس حولك؟

سحب نفسا عميقا من سيجارته وكأنه لم يتوقع سؤالي.. ورد بنبرة لا تخلو من مسحة تهكمية:

- الناس؟ إنهم لا يطرحون عليك عادة, إلا أسئلة غبية, يجبرونك على الرد عليها بأجوبة غبية مثلها..

يسألونك مثلا ماذا تعمل.. لا ماذا كنت تريد أن تكون. يسألونك ماذا تملك.. لا ماذا فقدت. يسألونك عن أخبار المرأة التي تزوجتها.. لا عن أخبار تلك التي تحبها. يسألونك ما اسمك.. لا ما إذا كان هذا الاسم يناسبك. يسألونك ما عمرك.. لا كم عشت من هذا العمر. يسألونك أي مدينة تسكن.. لا أية مدينة تسكنك. يسألونك هل تصلي.. لا يسألونك هل تخاف الله. ولذا تعودت أن أجيب عن هذه الأسئلة بالصمت. فنحن عندما نصمت نجبر الآخرين على تدارك خطأهم.



مذهل هذا الرجل, بكلامه المربك كصمته, ومنطقه المعقد والبسيط في الوقت نفسه, وأجوبته التي ليست سوى رؤوس أقلام.. لأسئلة أخرى.

وبرغم أنه لم يترك لي مجالا لطرح أي سؤال "طبيعي" فقد اكتشفت في قوانين منطقة شرعية احراجه, واستدراجه لقول حقيقة.. لن تؤخ1 منه إلا بالمقلوب!

ولذا بادرته قائلة بشيء من السخرية:

- أنت رجل يغري بطرح الأسئلة معكوسة.. فهل لديك شجاعة كافية للرد على أسئلتي؟

أجاب بتحد مازح:

- هذا عائد إلى ذكائك!

رفعت التحدي. وطرحت سؤالي الأول:

- أي اسم كنت تريد أن تحمل؟

وجاء جوابه مدهشا:

- الاسم الذي اخترته لي في كتابك.. إنه يناسبني

كان يضحك وهو يجيبني.

ولم أصدق ما سمعت. جوابه كان يعني أنه يدري من اكون. ولكن, من تراه يكون هو.. ليتحدث إلي وكأنه خارج توا من قصتي؟

أجبته كمن يمزح:

- ولكن.. أنا لم أختر لك اسما بعد..

رد بالسخرية نفسها:

- فليكن.. يناسبني تماما أن أبقى بلا اسم!

- ولكن هذا يزعجني.. ألا يمكنك أن تخلع قليلا من غموضك؟

- وحده الحب يعرينا يا سيدتي..

- هل أفهم أنك لست عاشقا..؟

بقي سؤالي معلقا إلى صمته, فتداركت خطأي, وأعدت طرح السؤال بصيغة أخرى.

- هل حدث للحب أن عرّاك؟

- حدث ذلك مرة واحدة. بعدها لبست خيبتي ولم أخلعها بعد.

قلت بنشوة أنثى:

- إذن ليس في حياتك امرأة؟

Malina
مديرة المنتدى
مديرة المنتدى

انثى
المساهمات : 23028
النقاط : 27539
التقيم : 68
السن : 29
الجنسية : الجزائر
نوع المتصفح : الفايرفوكس
المزاج :
المهنة :
الهواية :
السمعة :
رسالة sms
everybody makes mistakes:
that' s why they put erasers on pencils


معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://malina.yoo7.com 14

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تقنية رد: فوضى الحواس )"الفصل الثاني"( للكاتبة المتميزة >>أحلام مستغانمي <<

مُساهمة من طرف Malina في 21.08.08 23:21

أجاب:

- كم يلزمني من الصمت يا سيدتي.. لأرد على أسئلتك؟

كان علي أن أفهم "كم يلزمني من الصبر يا سيدتي لأرد على فضولك" أو ربما "لأرد على أسئلتك الغبية"..

ولكن هذه الإهانة المهذبة ليست ما استوقفني. وإنما كلمة أخرى شديدة التهذيب.

سألته:

- لماذا تناديني "سيدتي".. من أخبرك أنني متزوجة؟

- ابتسم وقال:

- ثمة نساء خلقن هكذا بهذا اللقب.. جئن العالم بهذه الرتبة. وأية تسمية أخرى هي إهانة لأنوثتهن.

وقبل أن أسعد بجوابه, واصل بعد شيء من الصمت:

- ما عادا هذا فحالتك المدنية لم تعد تعنيني..

صيغة النفي في جملته الأخيرة, فاجأتني. شعرت أنها تخفي سابق ما. أو أمرا لا يريد الإفصاح عنه.

سألته:

- لماذا قلت "لم" تعد تعنيني.. وليس لا تعنيني؟

رد بسؤال كاذب:

- أقلت هذا حقا؟

وصمت.



كان واضحا أنه يعرف شيئا عني. والمزعج, أنني لم أكن قد عرفت بعد شيئا عنه. ولذا قررت أن أواصل التحدي مستعملة طرقه المقلوبة, في طرح الأسئلة.

قلت:

- لم يحدث أن التقيت بشخص يشبهك في هذه المدينة, بي فضول لمعرفة أي مدينة تسكنك؟

ولكنه رد ساخرا وكأنه اكتشف الهدف من سؤالي:

- لن يفيدك جوابي في شيء. أنا كالكتاب الذين يسكنون مدينة كي يكتبوا عن أخرى. أسكن مدينة, لأتمكن من حب أخرى. وعندما أغادرها, لا أدري أيهما كانت تسكنني.. أيهما سكنت. أنا حالياً شقة شاغرة. غادرت قسنطينة عن حب.. وغادرتني هي عن خيبة!

- أأنت من قسنطينة؟ عجيب.. توقعت أن تكون غريبا عنها.

- لنقل إنني كذلك.

- وماذا تعمل في الحياة؟ ..أقصد ما كنت تريد أن تكون؟

قال ضاحكا لاستدراكي, وللنبرة الساخرة التي صححت بها سؤالي:

- في الواقع كنت أريد أن أكون ممثلا.. أو روائيا, كي أعيش أكثر من حياة.. إن حياة واحدة لا تكفيني. أنا أنتمي إلى جيل يعاني أزمة عمر, وأنفق حياته قبل أن يعيشها.

وأضاف:

- ما عدا هذا.. أنا رسام, وراض تماما عن مهنتي, لأنني لا أفعل بيدي إلا ما أريد.

قاطعته مندهشة:

- أنت رسام؟!

- وماذا توقعت أن أكون؟

- لا أدري .. ولكن..

- ولكن ماذا؟

- كنت أعرف في السابق رساما من قسنطينة.. تذكرته اللحظة.

أذكر أنه كان مهووسا بها إلى درجة أنه لم يكن يرسم سوى..

قاطعني قائلا:

- سوى الجسور.!

صحت:

- هل عرفته أنت أيضا؟

ابتسم وقال:

- لا.. ولكن, أتوقع لرسام يحب هذه المدينة, أن يرتكب حماقة كهذه.

- ولماذا تسمي هذه حماقة؟

- لنقل أنني لا أحب الجسور..

- عجيب.. لقد قضى هو أشهرا في إقناعي بالعكس, توقعت أن يحب الرسامون المعالم نفسها.

أطفأ سيجارته وكأنه يريد أن ينتهي من موضوع مزعج وقال:

- ما أدراك.. ربما يكون قد غير رأيه منذ ذلك الحين.. وحدهم الأغبياء لا يغيرون رأيهم!



استنتجت أن حديثي عن قسنطينة يزعجه؛ فرحت أبحث عن موضوع أستدرجه به إلى الكلام. وقبل أن أنطق قال وهو يتأملني:

- أحبك في هذا الثوب .. الأسود يليق بك..

- حقاً؟

- حقاً. ولكن أكثر من هذا اللون. أحب المصادفة التي جعلتنا نرتد اللون نفسه اليوم أيضا. مازلت أذكر ذلك الثوب الذي كنت ترتدينه يوم رأيتك أول مرة. حتى إنني كما في قصة ذلك الأمير الذي لم يبق له من (سندريلا) سوى حذاء ليتعرف به إلى فتاة لا يعرف سوى مقاس قدمها, أتوقع أنني لو رأيت امرأة ترتدي ثوبا من الموسلين للحقت بها, متأكدا من كونها أنت.

نفض سيجارته ببطء وواصل:

- الذي أحزنني يومها. هو أنني لم أستطع أن أتبادل معك ولو كلمة واحدة. كل الأضواء كانت ضدنا. ربما لأننا كنا الأجمل في زفاف كان لغيرنا. أذكر.. كانت الفرقة الموسيقية تعزف أغاني للفرح, عندما توقفت فجأة, وراحت تعزف موسيقى الدخلة إيذاناً بقدوم العروسين. واصطف على الجانبين نساء في كل زينتهن التقليدية, يضربن على البندير والدفوف. في تلك اللحظة بالذات, كنا ندخل مصادفة معاً, مرتدين اللون نفسه, عندما انطلقت زغاريد النساء حولنا. لم نكن العروسين, وجدنا هناك خطأ في تلك اللحظة, وذلك المكان بالذات. فقد كنا سابقين للعروسين بخطوات فقط. ولكن كان مرورنا معا في تلك اللحظة هو الخطأ الأجمل. فبعدنا بدا الموكب الشرعي أقل تألقا في بياضه. لم يغادرني هذا المشهد أبدا بع ذلك لسنوات. لكأنهم زفوك إلي وهما في ذلك الثوب الأسود.

سحب نفسًا من سيجارته ثم واصل:

- أذكر يومها تبعثرنا ارتباكا في تلك القاعة. رحت تحادثين آخر, ورحت أحادث أخرى باهتمام مقصود. أخذ كل واحد منا مكانا في مجلس مختلف, تفاديا لمزيد من الأضواء والأخطاء. ولكننا لم نذهب أبعد من بعضنا بعضا. لقد كنا متقابلين حتى في تجاهلنا المتعمد أحدنا للآخر. لا أعتقد أن تكوني قد اشتهيتني في البدء, ولا أنا اشتهيتك. الحب هو الذي اشتهانا معاً, وحلم ببطلين يشبهاننا تمامًا ليمثلا دورا على هذا القدر من الغرابة.

كنت أستمع إليه. دون أن أجرؤ على مقاطعته بكلمة. وجدت في صمتي ملاذاً, وإيهاما له بأنني أعرف كل هذا, إضافة إلى تلك الحالة الجمالية التي يضفيها الصمت في مواقف كهذه.

شعرت أنه يتحدث عن امرأة غيري. فأنا لا أذكر أنني ذهبت إلى زفاف بمفردي ولبست ثوبا كهذا, لأنني لا أملك أصلا في خزانتي أي ثوب من الموسلين الأسود. ولو حدث هذا, ودخلت قاعة زفاف خطأ, صحبة رجل غريب على هذا القد من التميز, لما كنت نسيت ذلك. ولا كانت هذه المدينة التي تحترف الإشاعات, منحتني فرصة النسيان.

خفت أن أصارحه, فأكسر كثيرا من جمالية وهم كل منا بالآخر. فبقيت صامتة, كي استمتع بوضعي الملتبس بين امرأتين, واحده يطاردها لأنها ترتدي الأسود, والأخرى تطارده لأنه قال "قطعا".

في النهاية.. كان كلانا بالنسبة إلى الآخر سندريلا والأمير في الوقت نفسه. وكان هذا أغرب ما في قصتنا!

لم أجد شيئا أعلق به على كلامه. سوى جملة أردتها أن تحمل أي تفسير:

قلت:

- كم لنا من البدايات لقصة واحدة!

أجاب:

- ولهذا كنت واثقا تماما, أننا سنلتقي. بل إنني تصورت لنا لقاءً مشابها لهذا..

ثم توقف قليلا وواصل:

- أتدرين لماذا تركت لسائق التاكسي حرية اختيار مكان لنا, وجازفت بموعدنا الأول؟

وقبل أن أسأله "لماذا؟" واصل:

- لأنه في الحب أكثر من أي شيء آخر, لابد أن تكون لك علاقة ثقة بالقدر. أن تتركي له مقود سيارتك. دون أن تعطيه عنوانا بالتحديد. أو تعليمات صارمة, بما تعتقدينه أقصر الطرق. وإلا فستتسلى الحياة بمعاكستك, وتتعطل بك السيارة. وتقعين في زحمة سير.. وتصلين في أحسن الحالات متأخرة عن أحلامك!

قلت:

- إن أمرا كهذا يتطلب كثيرا من الصبر. وأنا امرأة لا تعرف الانتظار.

أجاب:

- أنت لم تعرفي الحب إذن!

قلت:

- بل عرفته.. ولكن معرفتي به لم تزدني إلا عجلة. ولهذا ربما.. كثيرا ما أخطأت. علمني الحب أن لا أصدقه فما استطعت. وعلمني أن أتعرف إليه قبل أن أحتفي به, فما استطعت. مازلت أمام قطار الحب, أرى في كل نازل قدومه, فأحمل عنه أمتعته, وأسأله عن رحلته, وعن مهنته, وعن أسماء المدن التي مر بها, والنساء اللاتي مررن به, ثم أكتشف وهو يحادثني, أنه أخطأ بين قطارين وجهته.. فأذهب نحو حب آخر, وأتركه مذهولا من أمري جالسا على حقيبته!

كان يستمع إلي بشيء من الاهتمام, الذي قد يكون سببه احتمال أن يكون هو أيضا, في تلك اللحظة جالسا على حقيبته.. دون علمه.

ألهذا قال وهو ينفض رماد سيجارته في المنفضة ببطء مدروس:

- أتمنى أن تغادري بعد الآن هذه المحطة..

ساد بيننا شيء من الصمت, الذي لم أعرف كيف أكسره سوى بسؤال بدا لي ساذجا بعد جملة كهذه.

كان الأصح أن أقول "كيف؟" ولكنني سألته:

- لماذا؟

وجاء الجواب مباغتا في صرامته:

- لأنني آخر راكب ينزل من هذا القطار. لقد كان الطريق إليك طويلا. بعدي توقفت كل الرحلات. فلا تنتظري شيئا يا سيدتي.. لقد أعلنتك مدينة مغلقة!

كيف يمكن لامرأة أن تقاوم رجلا ثملا بهذا القدر من الكبرياء؟

وهل ثمة أجمل من حب يولد بشراسة الغيرة, واقتناعنا بشرعية امتلاكنا لشخص ليس لنا.. نراه لأول مرة!

كان على قد من إغراء الرجولة في تلقائيتها. وهو يلفظ هذا البلاغ العشقي الأول بهدوء مربك في ثقته, بحيث لم يبق من مجال لسؤال منطقي مثل "بأي حق تقول هذا؟" فقد وقعت بجملة, تحت سطوة الحب وجنونه, ورحت أتبادل معه حوارا خارج المنطق:

- ولكنني لا أعرف عنك شيئا..

- هذا أجمل.

- ولا تعرف عني أكثر من وهم الموسلين..

- لا يهم..

- وتعتقد أنك قادر على إيقاف صفير القطارات وندائها السري داخلي..؟

- قطعا..

- وهل تظن أنه من السهل أن نكون عاشقين.. في هذا الزمن المضا للحب؟

- طبعا

- ولكننا نذهب نحو تورط عشقي..

- حتما يا سيدتي!

- وقبل أن أجمع دهشتي لأضيف شيئا. كان يرفع يده ويطلب من النادل الحساب.. وسيارة أجرة.

وما هي إلا دقائق حتى كنا متجهين معا صوب فراق, ونحن بعد مقبلان على حب.

عطره كصوتي. لم يكن هذه المرة مرتفع النبرة.

سألته:

- متى نلتقي؟

Malina
مديرة المنتدى
مديرة المنتدى

انثى
المساهمات : 23028
النقاط : 27539
التقيم : 68
السن : 29
الجنسية : الجزائر
نوع المتصفح : الفايرفوكس
المزاج :
المهنة :
الهواية :
السمعة :
رسالة sms
everybody makes mistakes:
that' s why they put erasers on pencils


معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://malina.yoo7.com 14

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تقنية رد: فوضى الحواس )"الفصل الثاني"( للكاتبة المتميزة >>أحلام مستغانمي <<

مُساهمة من طرف Malina في 21.08.08 23:22

أجاب:

- سأتصل بك.

لم يترك لي من فسحة سوى لعلامة تعجب.

- تتصل بي؟ كيف؟

وجاء الجواب هادئا:

- لا تقلقي.. أعرف كل شيء.

- ولكن..

- أعرف.

كانت السيارة تنزل بنا نحو ضجيج قسنطينة الاعتيادي.

وكنا منعطفا بعد آخر نتسلق حبا شاهقا في صمته التصاعديّ.

فجأة, طلب من السائق أن يوقفه أمام ضوء أحمر, ومدّه أمام دهشتي بورقة نقدية.. وبعنواني كاملا, طالبا منه أن يوصلني حتى الباب. ثم انحنى نحوي وكأنه سيضع قبلة على خدّي.. ولكنه لم يفعل. همس في أذني: "من الأحسن أن لا نعود معاً؛ هذا أكثر أمانا لك" ثم أضاف كمن نسي شيئاً: "سأشتاقك".

وغادر السيارة.. ليتركني تحت وقع المفاجأة.

* * * *



هو الحب إذن..

دوماً.. يقدم لي أوراقه الثبوتية على هذا النحو.

في حالة من انسياب العواطف, يأتي رجل لا أحتاط من بساطته, أطمئن نفسي بكونه ليس هو الأجمل, ولا هو الأشهى, وفي تلك اللحظة التي أتوقعها الأقل, يقول كلاما مربكا, لم يقله قبله رجل. وإذ به يصبح الأهم.



غالبا.. وأنا ألهو باندهاشي به تبدأ الكارثة.

الحب ليس سوى الوقوع تحت صاعقة المباغتة!



مرةً أخرى.. ها هو ذا يذهب ويتركني معلقة إلى علامات الاستفهام. تنتابني حالة لم أعرفها من قبل: مزيج من أحاسيس عجيبة تفاجئني وأنا أغادر تلك السيارة, وأسرع نحو البيت ببراءة امرأة عائدة من السوق, أو من زيارة, لا من موعد في مكان لا تعرفه مع رجل لا تعرفه. ولكنه يعرفها!



أغلق باب غرفتي. أخلع بسرعة ثوبي الأسود, وكأنني أخلع تهمة على عجل.

أجلس على طرف سريري منهكة, مبعثرة تائهة النظرات. أحاول أن أفهم ما حدث لي تماما, أن أستعيد كل الذي قاله ذلك الرجل في ساعة ونصف, كل تفاصيل حوارنا الذي لم يسألني فيه سوى سؤال أو سؤالين, بينما طاردته أنا بالأسئلة دون جدوى, ما دمت قد عدت في النهاية بأسئلة أكثر , لم أكن أتوقع معظمها. ليس أقلها: من يكون هذا الرجل؟ ومن أين له كل تلك المعلومات؟ وكيف يعرف حتى عنوان بيتي؟



طبعًا, في منطق الأشياء كان يجب أن أعرف عنه أكثر مما يعرف عني, مادام ليس إلا بطلا في قصتي.

ولكن, أصبح إبداعي الآن يقتصر على التحايل عليه, لاكتشاف قصتي الأخرى وهي تُروى على لسانه. كتلك اللحظة التي حدّثني فيها عن موعدنا الأول, وعن ثوب الموسلين الأسود الذي كنت أرتديه يومها. وكان يمكن أن أصدق احتمال لقاء كهذا.. لو أنه كان يوجد في خزنتي ثوب من الموسلين الأسود.

ولم أقاطعه عمدا, ولا علقت على كلامه؛ اكتفيت بالاستماع إليه باندهاش مستتر, وربما بغيرة سرية من تلك المرأة التي فجّرت فيه يوما كل هذه الأحاسيس الجميلة.



قادتني هذه الفكرة إلى اكتشاف فاجأني.



لقد ولدت قصتي معه, أيضا في لحظة غيرة. فقد كان هو الرجل الذي كنت أبحث عنه لأقيس نفسي به. ولذا منذ البدء لم يفارقني إحساس بالغيرة منه والغيرة عليه, ورغبة في قتل تلك المرأة والحلول محلها, دون أن أترك بصماتي على عنق الكلمات.



منذ البدء, لا هاجس لي سواها. حتى إنني سألته مرتين إن كان في حياته امرأة, وأجابني في المرتين بالنفي. وربما كان هذا أجمل ما قال لي.

طبعًا لم يكن هناك من مبرر لسعادتي؛ فأنا ما زلت أذكر ذلك الذي سألته في أول موعد لنا: "هل في حياتك امرأة؟" وأمام فرحتي بجوابه, أضاف "لا تفرحي.. من الأفضل أن تحبي رجلاً في حياته امرأة.. على أن تحبي رجلاً في حياته قضية. فقد تنجحين في امتلاك الأول, ولكن الثاني لن يكون لك.. لأنه لا يمتلك نفسه!".



ولم أمتلكه. أخذته مني تلك القضية إلى الأبد. ولا استفدت برغم ذلك من نصيحته: ما زلت في الحياة أحب الرجال الذين في حياتهم قضية, وفي الروايات, أحب الأبطال الذين في حياتهم امرأة.

وكان أجدر بي.. لو فعلت العكس!



ذات لحظة, راودني احتمال أن يكون في حياة هذا الرجل أيضاً قضية ما, تبرر حزنه الباذخ, ونوبات صمته, ونزعته إلى التهرب من الأسئلة. وهي صفات كثيراً ما خبرتها في هذا النوع من الرجال.

ولكنني استبعدت احتمالاً كهذا. فقد انتهى زمن القضايا الكبيرة, والقضايا الجميلة, التي كانت تجعل جيلا كاملا من الرجال يبدو أكثر عنفوانا وتألقا مما هو.



في الدكاكين السياسية, التي يديرها حكام زايدوا علينا بدهاء في كل قضية.. باعونا "أم القضايا" وقضايا أخرى جديدة, معلبة حسب النظام العالمي الجديد, جاهزة للالتهام المحلي والقوميّ. فانقضضنا عليها جميعا بغباء مثاليّ. ثم متنا متسممين بأوهامنا, لنكتشف, بعد فوات الأوان, أنهم مازالوا هم وأولادهم على قيد الحياة يحتفلون بأعياد ميلادهم فوق أنقاضنا .. ويخططون لحكمنا للأجيال القادمة.



ولذا.. منذ "تلك القضية" انقرض الحالمون, وسقط فرسان الرومانسية من على خيولهم!



توصلني هذه الخواطر إلى زوجي الذي لم أمتلكه أيضاً. لا لكوني أقتسمه مع امرأة أخرى "شرعية".ولكن لأنه ملك للمسؤولية. ولأن الكرسي هو قضيته الوحيدة.



في النهاية, أكاد أصل إلى نتيجة مخيفة: الحب قضية محض نسائية. لا تعني الرجال سوى بدرجات متفاوتة من الأهمية, بين عمرين أو خيبتين, وعند إفلاس بقية القضايا "الكبرى".



أمن هنا يأتي حزن النساء.. أمام كل حب؟



فجأة ينتابني إحساس بالخوف من هذه القصة التي ستؤلمني حتماً. وبرغم ذلك أتوقع أن أنجرف نحوها دون رادع, ودون الاستفادة من كل ما تعلمته في الحياة.

في مواجهة الحب, كما في مواجهة الموت, نحن متساوون. لا يفيدنا شيء: لا ثقافتنا.. لا خبرتنا.. ولا ذكاؤنا.. ولا تذاكينا.

نذهب نحو الاثنين. مجردين من كل الأسلحة.. ومن كل الأسئلة.

وأنا التي واجهت الحب عزلاء دائما, أتوقع أن يأخذ بعين الاعتبار, شغفي بهزائمه. ويعوضني عن ل خسارة معه بخسارة جميلة أخرى.

ولذا لم يعنني يوما, أين هو ذاهب بي حصان الحب الجامح. مادامت حريتي معه تقتصر على الموت بسببه.. أو الموت دونه!



ما يشغلني حقا هو كيف أواصل كتابة هذه القصة بالنزاهة نفسها.

كيف لي بعد الآن, أن أكون الراوية والروائية لقصة هي قصتي. والروائي لا يروي فقط. لا يستطيع أن يروي فقط. إنه يزور أيضا. بل إنه يزور فقط. ويلبس الحقيقة ثوبا لائقا من الكلام.

ولذا فإن كل روائي يشبه أكاذيبه, تماما كما يشبه كلّ امرئ بيته.



وصلت إلي هذه الفكرة وأنا أتذكر ما قرأته عن الكاتب الأرجنتيني بورخيس الذي أصبح أعمى تدريجيا, والذي كان عندما يصل إلى مكان, يطلب من مرافقه, أن يصف له لون الأريكة, وشكل الطاولة فقط. أما الباقي, فكان بالنسبة إليه "مجرد أدب". أي بإمكانه أن يؤثثه في عتمته.. كيفما شاء.

عندما تعمقت في منطقه, اكتشفت أن كل رواية ليست سوى شقة مفروشة بأكاذيب الديكور الصغيرة, وتفاصيله الخادعة, قصد إخفاء الحقيقة, تلك التي لا تتجاوز, في كتاب, مساحة أريكة وطاولة. نفرش حولها بيتا من الكلمات, منتقاة بنوايا تضليلية, حد اختيار لون السجاد.. ورسوم الستائر.. وشكل المزهرية.



ولذا.. تعلمت أن أحذّر الروائيين الذين يكثرون من التفاصيل: إنهم يخفون دائما أمراً ما!

تماماً, كما يحلوا لي أن أتسلى بقراء يقعون في خدعتها, بحيث لا ينتبهون لتلك الأريكة التي يجلسون فوقها طوال قراءتهم لذلك الكتاب متربعين على الحقيقة.

منذ الأزل.. وأنا أبحث عن قارئ يتحداني, ويدلني أين توجد "الطاولة" و"الأريكة" في كل كتاب!

زوجي مثلاً, لم يوفق يوما في تمييز الأثاث الحقيقي عن الأثاث المزيف في أي نص كتبته. ولذا أصبح يبدي انزعاجه من جلوسي لساعات أمام طاولة الكتابة, بدل تخصيص هذا الوقت لطفل لا يأتي, دون أن يعترف تماما بأن ما يزعجه هو الكتابة في حد ذاتها. كعمل مواجهة, ومراوغة صامتة. لم يستطع _ برغم إمكانياته البوليسية_ التجسس على مصداقيتها.

وبدل أن يواجهني بحقيقة أفكاره, راح يوجّهني من طبيب إلى آخر. ويبعث بي من مدينة إلى أخرى, ليحوّل الأمومة مشكلتي وقضيتي الأولى.

لم أعد أذكر كم زرت من الأطباء بتوصيات خاصة, وكم من أضرحة للأولياء أجبرتنني أمي على التبرك بها.



سنتان وأنا أرافقها دون اقتناع. وحتى دون رغبة حقيقية في "الشفاء" من عقمي.

يمكنني أن أقول بأنني كنت أذهب فضولاً.. وربما استسلاماً لا أكثر.

أحيانا, أحب استسلامي. يمنحني فرصة تأمل العالم دون جهد. وكأنني لست معنية به.

في الواقع, أثناء ذلك أكون في حالة كتابة.. صامتة.

كهذا المساء, أتوقع أن أمارس عادتي في الكتابة, صمتًا, وأنا أتفرج على زوجي, وهو يخلع بذلته العسكرية, ليرتدي جسدي للحظات, ثم.. يغرق في النوم.



دوماً, كان ضابطاً يحب الانتصارات السريعة حتى في سرير.

وكنت أنثى تحب الهزائم الجميلة, والغارات العشقية التي لا تسبقها صفارات إنذار.. ولا تليها سيارات إسعاف, وتبقى إثرها جثث العشاق أرضاً.

بي افتتان بقصف عشوائيّ, يموت فيه الأبرياء عشقاً.. على مرمى اشتهاء, دون أن يكون لهم الوقت ليسألوا: لماذا؟

تمنيت أحيانا, لو أنه مارس الحب معي دون أن يخلع بذلته. ربما كان ببذلته تلك, فتح له طريقا إلى جسدي بالقوّة.

فقد كنت دائما مأخوذة بقوته.

ولكنّه هذه الليلة أيضاً لن يفعل. لأنه يخاف عليها أن "تتجعلك".

وربما –فقط- لأنه رجل بلا خيال. بل بالأحرى هو ينفق خياله وذكاءه خارج هذا السرير.

في النهاية, الرجال الذين خلقوا لكرسيّ, لم يخلقوا بالضرورة لسرير. والذين يبهروننا بثيابهم ليسوا الذين يبهروننا بدونها.

والمشكلة أننا نكتشف هذا فيما بعد!

الليلة أيضاً, سأسترق النظر إليه وهو يخلع قوته ويرتدي منامته.

وأستعيد دون قصد ذلك الحوار الجميل في مسرحية ألبير كامو "حالة حصار".

- اخلع ثيابك!.. عندما يغادر رجال القوة بذلتهم لا يكونون جميلين للرؤية.

ويأتي الجواب:

- ربما.. ولكن قوتهم تكمن في اختراعهم لتلك البذلة!



طبعا.. فاللباس ليس سوى "الإشعار" الذي نريد إيصاله إلى الآخرين. ولذا ككل إشاعة, هو يحمل دائما نية التضليل, حسب منطق ذلك الرجل الباذخ الحزن, والذي يرتدي الفرح إشاعة.

وهكذا, تكمن عبقرية العسكر, في اختراعهم البذلة العسكرية التي سيخيفوننا بها.

ويكمن دهاء رجال الدين, في اختراعهم لثياب التقوى التي سيبدون فيها وكأنهم أكثر نقاءً وأقرب إلى الله منّا.

وذكاء الأثرياء, في اختراعهم توقيعات لكبار المصممين. كي يرتدوا من الثياب ما يميزهم عنّا, ويضع بيننا وبينهم مسافة واضحة!

وهو.. لماذا تراه اختار الأسود؟

أم ليأتي مطابقا للون جئته فيه مصادفة. واختارته لي الحياة بنية التضليل, كي أعطيه إشعارا كاذبا.. بأنني "هي"!



عشرة أيام من الترقب الصامت.

حاولت خلالها أن أتجاهل أنني أنتظر شيئا. ولكنني لم أستطع أن أفعل غير ذلك.

كنت لسبب غامض, واثقة من أنه سيتصل بي, بطريقة أو بأخرى. ولكن الحياة كانت تكذب حدسي يوما بعد آخر.

هو نفسه لم يقل شيئا وهو يودعني عدا "سأشتاقك".

كان رجلا يعيش خارج الزمن. فكيف وجدت في هذه الكلمة وعداً بشيء ما؟

كان اليأس يتسلل إلي تدريجيا, ليكتسح مساحات شاسعة, ملأتها أملا. حتى إنني أصبحت لا أغادر البيت خوفا من أن يأتي هاتفه أثناء غيابي.

ولكن الهاتف لم يكن يحمل سوى ثرثرة أمي ومشاريعها العادية.

منذ قليل طلبتني لتخبرني بأنها ستحضر لقضاء اليوم معي, مستفيدة من تغيب زوجي ليومين.

ما إن فتحت لها الباب.. حتى أطلقت علي وابل أسئلتها وهي تتأملني مذعورة كعادتها:

- واش بيك يا بنتي.. زيّك ما عجبنيش..

"ماذا بي؟" أكاد أضحك لسؤال كان لابد أن تطرحه عليّ بالمقلوب, على طريقة ذلك الرجل, كي أجيبها عما ليس بي. فذلك أسهل عليّ.

أصمت لأنها في جميع الحالات لن تفهم.

تواصل:

- راني جبت لك معاي شوية "بسيسة" حمصتها لك البارح.. درُك ندير لك بيها صحن "طمّينة".. غير تاكليها تولّي زي الحصان..

من قال لأمي أنني أريد أن أصبح مثل الحصان؟



هذه المرة لا أمنع نفسي من الابتسام وأنا أراها تهجم على المطبخ, معتقدة أن مشكلتي هي الأكل لا غير؛ وان لا احد يهتم بي ويطبخ لي ما أحب.

ولأنني حدث أن أحببت يوما هذه "الطمينة" فستظل أمي تطاردني بها حتى أخر أيامي, أو أخر أيامها.

والطمينة هي صحن مكون من خليط من العسل والسمن وطحين الحمص. وهي تقدم للنفساوات ليستعدن قوتهن بعد الوضع. وتقدم أيضا للضيوف الذين يأتون ليطمئنوا إلى النفساء. وربما يكون اسمها قد جاء من هنا.

ولا اذكر كم من كميات أكلت من هذه "الطمينة", مع فطور الصباح وقهوة بعد الظهر, دون أن أتساءل مثل اليوم أكانت أمي تعدها لي كل فترة بنية تغذيتي أم بنية استدراج القدر كي تحل البركات في هذا البيت وتسعد يوما بتقديم "طمينتها" لضيوف سيأتون ليطمئنوا إلي.. والى حفيدها!

حول فنجان قهوة, وصحن طمينة, ها نحن نجلس لنطمئن إلى بعضنا بعضا, وكأننا لم نتحدث يوميا على الهاتف, أو كان في هذه المدينة ما يستحق الحديث كل يوم.

تسألني عن أخبار زوجي. أجيب انه جيد. وأكاد لا أجيب. مرة أخرى أتذكر فلسفة ذلك الرجل الذي كان يجيب بالصمت عن الأسئلة الغبية. لأن الناس يسألونك عن أخبار زوجتك.. لا عن أخبار المرأة التي تحب.

ولكن كيف لأمي أن تسألني عن أخبار رجل لا أعر أنا نفسي اسمه, ولا تعرف هي أنه حبيبي.

وماذا تراها ستجيب لو قلت له في نوبة جنون, إنني أحب رجلاً آخر.. غير زوجي؟

تراها عرفت الحب لتفهمني. هي التي لم تعرف حتى معنى الزواج. وتحملت نتائجه فقط.

Malina
مديرة المنتدى
مديرة المنتدى

انثى
المساهمات : 23028
النقاط : 27539
التقيم : 68
السن : 29
الجنسية : الجزائر
نوع المتصفح : الفايرفوكس
المزاج :
المهنة :
الهواية :
السمعة :
رسالة sms
everybody makes mistakes:
that' s why they put erasers on pencils


معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://malina.yoo7.com 14

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تقنية رد: فوضى الحواس )"الفصل الثاني"( للكاتبة المتميزة >>أحلام مستغانمي <<

مُساهمة من طرف Malina في 21.08.08 23:23

كم مرة تراها مارست الحب في حياتها؟ خمس سنوات من الزواج. كانت خلالها تسكن في بلد وأبي في آخر. ولم يكن يعود من الجبهة إلى تونس, إلا مرة كل بضعة أشهر, ليقضي معها بضعة أيام لا أكثر, يعود بعدها إلى قواعد المجاهدين. حيث كانت تنتظره مسؤولية إدارة العمليات في الشرق الجزائري.

ذات يوم, ذهب ولم يعد. كان له أخيرًا شرف الاستشهاد, ولها قدر الترمل في العمر الذي تتزوج فيه الأخريات.

في الثالثة والعشرين من عمرها, خلعت أمي أحلامها. خلعت شبابها ومشاريعها, ولبست الحداد اسمًا أكبر من عمرها ومن حجمها. لقد وقعت في فخ الرموز الكبرى, بعدما وقعت قبله في فخ الزواج المدبر. وهذه المرة أيضا لم يستشرها أحد, إن كان هذا الاسم الكبير يناسبها ثوبا أسود حتى آخر عمرها, وإن كانت تفضل أن تكون زوجة لرجل عادي, أو أرملة لرمز وطني. لقد وجدت نفسها أمام الأمر الواقع, بطفلين صغيرين.. واسم كبير!

ومنذ ذلك الحين, وهي تواصل طريقها هكذا, بجسد ليس لها, وبقدر يرضي كرامة الوطن, الوطن الذي يملك وحده,متى شاء, حق تجريدك من أي شيء, بما في ذلك أحلامك, الوطن الذي جردها من أنوثتها, وجردني من طفولتي.. ومشى.

وها هو ذا, يواصل المشي على جسدي وجسدها, على أحلامي وأحلامها, فقط بحذاء مختلف. إذ لبس معي جزمة عسكرية.. ومعها حذاء التاريخ الأنيق.

أتأملها في أنوثتها المعطوبة, في جمالها المسالم, في مرحها البسيط الذي يجاور الحزن. ها هي ذي غامضة وهادئة كالجوكوندا. وأنا أكره الجوكوندا. أكره الملامح الهادئة, والأنوثة المسالمة,والأجساد الباردة. فمن أين جاء أمي كلّ هذا الصقيع؟ أمن استسلامها للقدر أم من جهلها؟

ومن أين جاءتني أنا كلّ هذه الحرائق؟ أمن تمردي على كل شيء؟ أم من براكين الكلمات التي تنفجر داخلي باستمرار؟

وكيف يمكن لهذا الرماد الجالس أمامي ملتفا بملاءة سوداء.. أن يلد كل هذه النيران التي تسكنني؟

يقول مثل: "النار تلد الرماد" وكثيرًا ما تكذب الأمثال! ها هو ذا مسحوق الرماد. يلد كلّ هذا الجمر, كلّ هذه السيول النارية التي أحرقت في داخلي كلّ شيء, كلّ القناعات الجاهزة, كل الأكاذيب التي توارثتها النساء.

توصلني أفكاري من جديد إلى ذلك الرجل. وتراودني فكرة حاولت مقاومتها منذ عشرة أيام. فأستفيد من وجود أمي لأقترح عليها مرافقتها صحبة السائق حتى البيت. وهكذا يمكنني أثناء العودة أن أطلب منه التجول بي في المدينة.

وأدري أن إمكانية العثور على ذلك الرجل في مدينة كهذه, ضئيلة جداً. ولكن لماذا لا أحاول؟ فأنا لا أخسر شيئًا سوى بعض الوقت. وهو الشيء الوحيد الذي أملك من رتابته, ما يفوق قدرتي على الإنفاق.

وهكذا بسرعة, كنت قد ارتديت فستاناً جميلاً. وتزينت تهيؤاً للقاء محتمل.



ها أنا في سيارة رسمية. أجلس جوار سائق سلّمته مقود القدر.

أشعر براحة, لأنني لم أجهد نفسي في البحث عن مكان لهذا الموعد. مادامت التفاصيل الصغيرة مهمة القدر, فلأترك للقدر إذن حقّ التصرف, أو التسلي ببرنامجي.

لن أتدخل هذه المرة إطلاقاً لأختار وجهة السائق, أو أقترح عليه بالتحديد, الطريق الذي سيسلكه ليوصلني إلى قدري.

تركض بي السيارة نحو المجهول. السائق الذي يعرفني ويعرف هذه المدينة جيدا, يعجب لأمري. ولا يفهم طلبي العجيب "خذني حيث شئت.. أريد أن أتفرج على المدينة".

إنه مجرد جندي متقاعد, تعوّد أن يتلقى الأوامر فينفّذها, وليس مؤهلا لأداء دور القدر. ولذا لا يفهم أن أجرب معه وصفة ذلك الرجل نفسها, عندما طلب من سائق غريب أن يأخذنا حيث شاء, ويمنح القدر فرصة قيادة سيّارتنا.

فجأة سألني وقد لفّ بي نصف شوارع المدينة, متوهما أنني أريد أن أتفرج على واجهات المحلات:

- ودُرك.. وين نروحوا؟

حاولت أن أستدرجه لاختيار مكان بالتحديد؛ قلت:

- والله ماني عارفة يا عمي أحمد.. راني شوية قلقانة إذا عندك بلاصة تحبّها أنت.. اديني ليها.

أجاب ظقد فاجأه طلبي:

- أنا نحب كل شيء في قسنطينة.. راني ولد البلاد.

رحت ألح في حشره:

- وواش تحبّ أكثر في قسنطينة؟

أجاب بعد شيء من الصمت:

- نحب القناطر.. ما كان حتّى بلاد عندها قناطرها..

أصابني جوابه بشيء من الخيبة. ولكنني احترمت قانون اللعبة, وقلت:

- إديني نحوّس في كاش قنطرة تحبّه..

وراحت السيارة من جديد, تسرع بي من جسر وهم إلى آخر, معلقة بين السماء والأودية التي يتدحرج نحو هاويتها أملي الضئيل في العثور على ذلك الرجل.

لقد قال أنه لا يحب الجسور. وربما قال إنه لم يعد يحبها. فلماذا جئت أبحث عنه فوقها؟

أتمادياً في نزاهتي مع القدر, كي أثبت له حسن نيتي وثقتي المطلقة به؟

أم لأنني اعتقدت برغم ذلك –أو بسبب ذلك- قد أجده هناك, وأنه يحدث أن نتردد على الأماكن التي لم نعد نحبهاو فقط لنبرر كراهيتنا لها, ونتأكد من أننا على حق؟ وهو تصرف يشبهه تماماً!

في الواقع, كنت لا أصدق كراهيته لهذه الجسور. وبرغم ما قاله أحسه مشابهاً لذلك الرسام الذي عرفته في الماضي.. والذي كان مهووساً بها حدّ الجنون.

أذكر أنه كان يحبني بقدر حبه لها, ويصرّ على كوني أشبهها كلّما رسمها.

وأنا لم أكن أحبها, ولا كنت أشبهها. كنت أحبه, وأشبه صديقه الشاعر لا غير.

أو ربما بالعكس, كنت أشبهه هو, وأحب صديقه. أو على الأصح, كنت أشبه نفسي.. وأحبهما معاً.

فافترقنا. كان هناك حب زائد في قصتنا. وكان ثمة قدر مضادّ.

مات الشاعر ميتة فلسطينية.

وتزّوجت تلك الفتاة.. زيجة قسنطينية.

واختفى الرسام, وكأنه قرر أن يموت أيضاً على طريقته غيابياً.

كان من الممكن أن يعود, تحت أيّ مبرر, فقد كان رجلاً لا يغلق في وجهه باب. ولكنه لم يعد.

مضى كما جاء دون ضجيج. وترك لي لوحة معلقة على جدار غرفة الاستقبال. عليها جسر معلق كقصتنا.. بحبال من حديد.



قبل هذه اللوحة لم أكن أحب الجسور الحديدية. تلك الشاهقة, كسؤال لا يطاله جواب. والآن أيضاً, وأنا أرى هذا الجسر خارج تلك الألوان الزيتية التي تعودتها, تعاودني كراهية غامضة له.. لم أجد لها يوماً سبباً منطقياً.

طلبت من السائق أن يتوقف, عساني أعثر على جواب لهذا الإحساس, أو ربما عثرت على ذلك الرجل هنا وسط عشرات الناس العابرين.

يحدث للحياة أن تهدي إليك الشيء الذي تحبه الأكثر, في المكان الذي تكرهه. فلطالما أذهلتني الحياة بمنطقها غير المتوقع.

أفتح باب السيارة من الجانب المطل على الجسر. أقترب من سوره الحديديّ, فتفاجئني قسنطينة كما لم أرها يوماً من جسر: هوّة من الأودية الصخرية المخيفة, موغلة في العمق, تزيدها ساعة الغروب وحشة.

أتذكر وأنا أرى الناس حولي يسرعون في كلّ الاتجاهات, وكأنهم يخافون الجسور, أو كأنهم يخافون ليل قسنطينة, تلك القصيدة لوولت ويتمان (على جسر بروكلين):

"المدّ الصاعد تحتي, وأراك وجهاً لوجه!

غيوم من الغرب

والشمس ما تزال هناك لنصف ساعة أخرى

وأراك وجهاً لوجه

حشود من الرجال والنساء يتنكرون

في ثيابك العادية,

ما أغربكم في عينيّ!



يعاودني فجأة إحساسي الدائم بالدوار. وقدماي تكادان لا تحملانني. وأنا أقف مذعورة على علوّ سبعمائة متر, أستعيد رجلاً رحل.. وأنتظر آخر لن يأتي.

أسعد لأن السائق غادر السيارة, ووقف ليرافقني حيث لا تثير وقفتي العجيبة فضول المارة, الذين لم يتعودوا رؤية سيارة رسمية تقف وسط الطريق, لتخرج منها امرأة غريبة الأطوار تريد التفرج على جسر!

أشعر برغبة في مدّ حديث مع السائق الذي أشعل سيجارة ووقف يتأمل الجسر.. وكأنه يكتشفه.

رحت أحدّثه وكأنني أريد أن أبرر جنوني هذا.

قلت:

- تعرف يا عمي أحمد.. هاذي أول مرة نجي فيها هنا..كلّ ما نوقف قدام قنطرة.. تجيني الدوخة.. القناطر تخوفني.

رد بنبرة الأبوة:

- ما تخافيش يا بنتي.. المؤمن ما يخاف غير من ربي.

واصلت وكأنني أعاتبه على اختياره لهذا المكان:

- ما على باليش علاش تحب القناطر.. نقولك الصحّ.. أنا نكرها.

أجابني بمنطق البسطاء:

- حتى واحد ما يكره بلادو.. واش تكون قسنطينة بلا قناطرها..

إيه لو تنطق هاذ القنطرة يا بنتي..

وصمت, فتركته لصمته.

قررت أن لا أجادله: منطق المسنين والبسطاء يجردك من منطقك. من الأفضل ألا تجادلهم في عمر من القناعات. لأنهم في جميع الحالات أصبحوا أكبر من أن يغيروا رأيهم!

فجأة.. قال وكأنه تنبه لشيء:

- هيا نروحوا..

تنبهت بدوري إلى تقدم الوقت بنا. فأجبته:

- صح.. راح يطيح الليل!

سبقني كعادته, بينما رحت ألقي نظرة أخيرة على تلك الأودية القاحلة, وكأنني أودعها بعدما تأكد لي الآن تماماً أنني أكره هذا الجسر, وأن فضولي تجاهه قد مات تماماً, كأملي في لقاء ذلك الرجل الذي قضيت أكثر من ساعتين, وأنا أجوب هذه المدينة في البحث عنه دون جدوى.

شعور عارم بالخيبة, كان يزيد حزني. وقد خسرت تلك المراهنة الجنونية التي أبرمتها مع القدر.

أجئت هنا سابقة أم متأخرة عن الحب, فلم أجد أحداً؟

أم لست أنا التي تقدمت أو تأخرت, بل القدر هو الذي كان دقيقاً هذه المرة في توقيته.. كما هو الموت؟!

فجأة, خطفتني من أفكاري طلقات نارية انطلقت على مقربة مني. وهزني دويّها بقوة مباغتة, حتى لكأن رصاصها اخترقني.

انتفضت. والتفت مذعورة خلفي. فلم ألمح سوى شابّ, أصبح على عدة أمتار مني, يركض كسهم وسط الناس, ويختفي عند زقاق يتفرع من الجسر.

بحثت عن عمي أحمد. فلم أره داخل السيارة. ولا خارجها.

تقدمت خطوات نحو الجهة الأخرى. إذ بجسده ممدد على الأرض ودم ينزف من رأسه وصدره.

شعرت أنه يكاد يغمى عليّ, أو أنني أريد أن يغمى عليّ, كي أفقد وعيي ولا أرى شيئاً مما يحدث حولي.

كانت رقعة الدم تتسع أمامي, وصوتي يضيع مني.

تجمع حولي المارة. سألي بعضهم ما الذي حدث. بينما البعض الآخر لم يكن في حاجة إلى سؤال أو تساؤل؛ لقد رأى بنفسه كلّ شيء, أو استنتج ذلك.



كنت أستمع إليهم يتحاورون. بعضهم يستغفر الله, عاتباً على دولة يتنقل فيها المسلحون بهذه الحرية. بعضهم يلقي نظرة دون تعليق ويبقى واقفاً للفرجة. أما أنا فأصبت بخرس الذهول. ولم أنطق إلا عندما وصلت أخيراً سيارة الأمن, لينزل منها شرطيان يشقان طريقهما بصفارة.

لم أجد ما أقول لهما وهما يسألانني عما حدث, سوى "خذوه إلى المستشفى.. أرجوكم خذوه".

راحا يتفحصان حالته. رصاصة في الرأس وأخرى في الصدر. طلبا سيارة إسعاف, برغم كونه "لن يعيش" حسب رأي أحدهما.



كان يبدو على سلوكهما توتر واضح. كانا في مقتبل العمر, ويمسكان بمسدسيهما بعصبية, وكأنهما منذ اللحظة التي اكتشفا فيها أنه ليس هنا من أمل في إنقاذه, أصبح همهما أن ينجوا بنفسيهما من تلك الحلقة البشرية التي التفت حولهما, والتي قد يكون بينها قاتل آخر, يحلم باقتناص رأس أي شرطي كان.

تأمل أحدهما السيارة, ثم رقمها بإمعان. استنتج بسرعة رتبة صاحبها ووظيفته. فذهب نحو ذلك الجسد الممد أرضاً, وأخذ المفاتيح من تلك اليد التي انغلقت عليها, وكأن عمي أحمد كان يريد أن يفتح السيارة على عجل ويهرب بي من خطر توقعه بحدسه العسكري, أو كأنه أراد أن يموت كأي جندي أثناء تأدية واجبه ممسكاً سلاحه.

فجأةً, أصبحت تلك السيارة الرسمية أهم من ذلك الرجل الذي قادها سنوات. والهروب بها أهم من إنقاذ هذا الرجل الممد في بركة دم.

لا أدري كم مر من الوقت, قبل أن تحضر سيارة الإسعاف المنتظرة. وقت بدا لي طويلا وغير منطقي.

أثناء ذلك كان أحد الشرطيين يقف على مقربة من الجريح شاهراً سلاحه, مطالبا الناس بأن يتفرقوا.

بينما كان الثاني يتفقد السيارة ومحتوياتها. ثم ما كادت تصل سيارة إسعاف عسكرية حتى حسم الأمر. فنقل عمي أحمد على عجل في سيارة الإسعاف. بينما تكفل أحد العسكريين بقيادة السيارة والعودة بها إلى البيت.. دوني.

Malina
مديرة المنتدى
مديرة المنتدى

انثى
المساهمات : 23028
النقاط : 27539
التقيم : 68
السن : 29
الجنسية : الجزائر
نوع المتصفح : الفايرفوكس
المزاج :
المهنة :
الهواية :
السمعة :
رسالة sms
everybody makes mistakes:
that' s why they put erasers on pencils


معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://malina.yoo7.com 14

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تقنية رد: فوضى الحواس )"الفصل الثاني"( للكاتبة المتميزة >>أحلام مستغانمي <<

مُساهمة من طرف Malina في 21.08.08 23:24

جاءني أحدهم بعد ذلك طالباً مني مرافقته إلى المخفر, لأقدم شهادتي عن الحادث بكل ملابساته وتفاصيله.

وعبثًا حاولت إقناعهم بالسماح لي بمرافقة السائق في سيارة الإسعاف ولكنهم رفضوا, موضحين أنه ليس ثمة ضرورة لوجودي.

سألت "إلى أين تذهبون به؟". فأجابني أحدهم بشيء من العصبية "إلى المستشفى العسكري". فهمت أنه ليس هناك من مجال لأي نقاش أو جدل.

كنت أراهم ينقلونه نحو سيارة الإسعاف, يضعونه على ناقلة جرحى ويوشكون أن يمضوا به. انتابني شعور بأنني لن أراه ثانية بعد الآن, وأن ذلك الباب ربما سينغلق عليه إلى الأبد.

ركضت نحو السيارة. ارتميت على يده ألثمها, اغرق وجهي ودموعي فيها, وكأنني أنقل إليه شيئا من الحياة. كأنني أتقاسم معه حياتي مادمت لم أتقاسم معه موته, أنا التي جئت به حتى هنا.

شعرت بأنني أقبل يد الموت, الموت الذي سيأخذه, والذي ينتظر الآن فقط بأدب, أن أرفع شفتيّ عنه ليسحبه ويمضي به.

سمعته يتمتم بكلمات لم أفهمها. وصلني منها شيء شبيه ب"ما عليهش يا بنتي" أو ربما "ما تبكيش يا بنتي.." ولكنني كنت أبكي,فبإمكاني الآن أن أبكي في هذه السيارة القبر.. بعيدا عن الأنظار.

استعجلني العسكري الذي كان ينتظر نزولي ليغلق الباب. ولم يعد بإمكاني إلا أن أغادر السيارة, ونظراته الفارغة تلاحقني, ويده التي تركتها تواً, بقيت متدلية تشير سبابتها بالشهادة.

تقذفني السيارة أمام باب المخفر.

تنتابني حالة لم أعرفها من قبل: مزيج من الحزن والذهول والذعر والغثيان, وأنا أواجه رهطاً من الناس, لم أصادف مثلهم في حياتي؛ أناس بمظهر مخيف, ووجوه مغلقة, ونظرات عدوانية, بعضهم في ثياب عادية, وآخرون ملتحون, يرتدون شعاراتهم داخل زي أفغاني. أحدهم حليق الرأس في بذلة رياضية, ويداه مشدودتان خلف ظهره بسلاسل حديدية. وآخر جالس دون وجه ولا ملامح, وآثار ضرب واضحة عليه.

بينما يتنقل العسكريون بلثام أسود, شبيه بجوارب صوفية تخفي رأسهم. فلا يبدو من وجوههم سوى ثلاثة ثقوب يتحدثون ويرون بها, دون أن يعرفوا.



أي كابوس هو هذا؟

أستنتج أن هذه القاعة العارية الجدران, المتسخة البلاط, البائسة المظهر, تجمع دون تمييز بين المجرم, والطالب المشبوه, والمواطن الذي جاء لسبب ما, والسارق الذي قبض عليه تواً.. وأنا!

أنا التي هنا, لأنني أحب رجلاً وهميًا, وأكره الجسور الحديدية, وأردت التأكد من كراهيتي لها, وإذا بي في قاعة كلّ أثاثها من حديد. يجلس خلف مكاتبها رجال من حديد, يستجوبون رجالاً آخرين, مكبلين بسلاسل حديدية.

هذا زمن الحديد إذن. وكان لابد أن أغادر دفتري لأكتشف هذا.

بعد لحظات من الوقوف, انتبه شرطي إلى وجودي الشاذ في ذلك المكان. فرافقني إلى مكتب جانبي صغير كي انتظر فيه.

سعدت بوحدتي, وباختلائي بنفسي للحظات, والهروب من تلك النظرات الفضولية التي كانت تتفحصني بشيء من العدوانية, التي لم أجد لها من مبرر, سوى أنوثتي أو اختلافي.

هذه مدينة ترصد دائما حركاتك, تتربص بفرحك, تؤول حزنك, تحاسبك على اختلافك.

ولذا عليك أن تراجع خزانة ثيابك, وتسريحة شعرك, وقاموس كلماتك, وتبدو عادياً, وبائس المظهر قدر الإمكان, كي تضمن حياتك. فهي قد تغفر لك كل شيء, كل شيء عدا اختلافك.

وهل الحرية في النهاية سوى حقك في أن تكون مختلفا!



ما لم أجد له مبرراً أيضاً, هو طول انتظاري في ذلك المكتب الصغير. وكان أمري لا يعني أحداً, أو كأن الجميع مشغولون عني بأمر أهم.

بين حين وآخر, كانت تصلني صرخات شاب, أتوقع انهم يقومون باستجوابه على طريقتهم, وهو ما زاد حزني وشعوري بالعجز والألم.

في لحظة ما.. توقعت أنهم ألقوا القبض على القاتل. ولكن كنت أشك في أمر كهذا. فلم يحدث أن ألقوا القبض على قاتل بهذه السرعة.

ثم حضر فجأة شرطي, وطلب مني مرافقته.

هذه المرة كان ينتظرني في مكتب مؤثث بلياقة أكثر, تتناسب مع رتبة الضابط الجالس خلفه, تعلوه صورة الرئيس الشاذلي بن جديد.

نهض الضابط لمصافحتي وطلب مني الجلوس.

بادرته بالسؤال:

- هل عثرتم على القاتل؟

أجاب وهو يرتب بعض أوراقه:

- لا.. نحن نعتمد على شهادتك لمساعدتنا في ذلك.

أبتلع ريقي. يواصل:

- كلّ التفاصيل تعنينا. حاولي أن تتذكري كلّ شيء.

أجيب:

- لا.. أنا كنت أنظر نحو الجسر.. عندما سمعت طلقات نارية. وعندما التفت.. رأيت شاباً يركض ويختفي في الزقاق المتفرع عن الجسر.

- أتعتقدين أنه كان وحيداً.. أم أن أحداً كان بصحبته؟

أجيب:

- أنا لم أر إلا رجلا واحداً يركض. ولا أدري إن كان آخرون في انتظاره, أو في صحبته.

- كم تتوقعين أن يكون عمره تقريبا؟

- ربما بين العشرين والخامسة والعشرين..

- أيمكن أن تصفيه لي؟

- لا أعرف كيف أصفه.. أنا لمحته من الخلف.

- هل لاحظت أثناء مشواركم أن سيارة أو دراجة نارية تتبعكم؟

- لا أدري, فقد كنت مشغولة بالنظر أمامي. أدري فقط أنه أثناء وقوفنا عند الجسر كان هناك زحمة سيارات, وزحمة مارة, وأن البعض كالعادة, كان يتلفت بفضول وينظر إلينا.

- هل أطلتما الوقوف على الجسر؟

- لا أعتقد.. ربما بقينا هناك ما يقارب العشر دقائق لا أكثر. أذكر أن السائق قال لي فجأة "هيا نروحوا" وكأنه تنبه لشيء. ثم اتجه نحو السيارة.. وما كدت ألحق به حتى أطلقوا الرصاص عليه.

- هل من عادتك أن تترددي على هذا المكان؟

- لا.. إطلاقاً.

- هل أخبرت أحدا بمشوارك هذا؟

- لا

- الشغالة مثلا.. أما قلت لها أين أنت ذاهبة؟

- لا.. أخبرتها كالعادة أنني سأغادر البيت لا أكثر.

يتوقف قليلاً وهو يقلب ورقة صغيرة أمامه. ثم يسألني:

- وأخوك.. هل هو على علم بتنقلاتك؟

أجيبه دهشة:

- أخي؟.. ولكنه لا يقطن معي.

يجيب:

- أعرف ذلك.

ثم يواصل:

- هل لاحظت في الآونة الأخيرة تغيراً في سلوك السائق, شيئاً من العصبية أو شيئا من القلق الواضح في تصرفاته؟

- لا.. إنه رجل هادئ ومسالم. وكان أثناء مشوارنا الأخير يتحدث إلي بروحه المرحة ذاتها.

يواصل تسجيل بعض ملاحظاته على ورقة. ثم ينهض ويصافحني قائلاً:

- قد نتصل بك مرة ثانية إذا كان من ضرورة للتدقيق في بعض التفاصيل.

ثم يواصل:

- لقد علمت أن زوجك موجود في مهمة بالعاصمة. سأرسل له خبراً عن طريق الوزارة.. وأقدم له تقريراً حال عودته.

يرافقني نحو الباب, وطلب من عسكري مرافقتي إلى البيت, فأصافحه. وبصوت لم يعد صوتي أقول "شكرا" وأغادر عالم الحديد.. إلى عالم الذهول والفجيعة.



مخيفة هي الكتابة دائماً. لأنها تأخذ لنا موعداً مع كل الأشياء التي نخاف أن نواجهها أو نتعمق في فهمها.

يوم بدأت هذا الدفتر ما كانت نيتي أن أفلسف الأمور حولي. ولذا أكتشف اليوم, أن موت هذا الرجل أكبر مني, يتجاوز حدود فهمي, يتجاوز منطقي, لأنه حدث خارج دفتري. أو بالأحرى على هامش صفحتي. في ذلك الخط الأحمر الدقيق الذي يفصل بين الحياة والكلمات.

العجيب والمؤلم في موته, أنه مات بسبب بطل وهميّ وكائن حبري, ولم يحدث للموت أن كان في متناول الكلمات, في متناول الوهم إلى هذا الحد!

ذلك الرجل الذي يكره الجسور, ويكره الأسئلة. أوصلني حبه إلى أسئلة لا جواب لها.

لماذا مات ذلك الرجل؟ لماذا اليوم؟ لماذا الآن؟ لماذا هناك بالتحديد؟ لماذا هو بالذات؟

كنت أستدرجه ليختار عنوانا لقدري, فأختار أنا عنوانا لقدره.

قلت له خذني إلى المكان الذي تحبه الأكثر في هذه المدينة, فسرق الموت سؤالي, وأوصله إلى جوابه الأخير.



من منّا المتهم الأول الآن في جريمة كهذه؟

القدر الذي سلمته مقود السيارة وأبرمت معه معاهدة ثقة.. فخانني؟

أم أنا التي رحت أطارد رجلاً وهميّاً, خارج حدود الورق, وإذا بي أحول لعبة الكتابة إلى لعبة موت؟

أم ذلك الرجل الوهمي, الذي أقنعني بأن أثق بالقدر, ثم تخلى عنّي, كي يلقنني درساً في كتابة القصص؟

كل الأسئلة أصبحت تختصر عندي في سؤال واحد:

موت هذا الرجل جريمة قدر..؟ أم جريمة أدب؟ وبالتالي إلى أية درجة أنا مسؤولة عن موته؟



ولكن الأمور بالنسبة إلى زوجي, الذي عاد على عجل في صباح اليوم التالي, لا يمكن أن تكون مبسطة إلى هذا الحد. ليس فقط لأنه يجهل القصة التي أكتبها وأعيشها, والتي أوصلتني إلى ذلك الجسر. ولكن لأنه قبل كلّ شيء رجل عسكري. والأسئلة التي تعنيه أسئلة محض بوليسية, لا مكان فيها للقدر, ولا للأدب. وها هي تنهال عليّ مشابهة لتلك التي سبق أن أجبت عنها البارحة. ولكن بنبرة عصبية مختلفة, وبإضافات جديدة هذه المرة.

- لماذا ذهبت إلى هناك؟ أجننت لتوقفي سيارة رسمية وسط الطريق وتنزلي لتتفرجي على جسر.. وتتبادلي الحديث مع السائق على مرأى من الناس؟

- أردت أن أرى الجسر عن قرب لا أكثر.. لأنني أراه دائما على تلك اللوحة المعلقة في الصالون.. تلك التي أهداها إلينا الرسام خالد بن طوبال يوم زواجنا. وصادف أن مررت من هناك, فقلت لا بأس أن أنزل وأتفرج على الجسر, ما دمت أتجول وما دام أمامي بعض الوقت.

- تتجولين؟ أهذه مدينة للفسحة؟ أو هذا زمن للتجوال؟ البلد يعيش حالة حصار معلنة على كل التراب الوطني, وأنت تتجولين؟ ألا تقرأين الجرائد؟ ألا تتحدثين إلى الناس؟ كل يوم يقودون رجال الشرطة, يذبحونهم كالنعاج ويلقون بهم من الجسور..

- ولكن لا أفهم ما ذنب عمي أحمد في كل هذا؟

- إنه يقود سيارة عسكرية.. أي أنه عسكري!

- ولكنه لم يكن يرتدي زياً عسكرياً..

- لا يهم.. كان في خدمة الدولة.. وهذه تهمة كافية. إلا إذا توقعوا أنه أنا. وفي هذه الحالة كان لهم أكثر من سبب لقتله.

يصمت قليلاً ثم يطرح سؤاله الأهمّ:

-أين كنت تجلسين؟

أُتََمَتِمُ:

-جواره كما أفعل أحياناً.. [في الواقع كما أفعل دائماً].

نغرق معا في صمت فاضح. تذهب أفكارنا معا إلى الشيء نفسه.

في البدء, كان زوجي يحتجّ على جلوسي جوار السائق. ولكنني كنت, مع عمّي أحمد بالذات, عاجزة عن الجلوس خلفه. فقد كان يعيش معنا معظم الوقت كفرد من العائلة. وكان في حضوره شيء من الوفاء والطيبة التي تجعلني أخجل من إعادته خارج البيت, إلى مرتبة سائق وخادم يحمل أشيائي لا أكثر, هو الذي كان يوماً يحمل سلاحاً.

كنت أحترم ذاكرته الوطنية. أحترم يديه, وشعيرات رأسه الرمادية. ولم يكن يعنيني أن تكون قامته الفارعة توحي بأنه أصغر من عمره, حتى يبدو أحياناً قريباً في مظهره من زوجي. كما لم تعنني يوماً نظرات التعجب التي كانت تقابلني بها زوجات الضبّاط, عندما يفاجئنني جالسة إلى جواره.

في النهاية, خلافي مع زوجي قد يتلخص في هذا المقعد. فقد كان طموحه الجلوس خلف سائق في سيارة رسمية, وطموحي كان الجلوس جوار رجل في سيارة.

كان بين أحلامنا مسافة مقعد, لا أكثر. ولكن كانت المسافة أكثر شساعة مّما توقّعت. فأنا لم أكن أعرف قبل اليوم أن اختيارنا الجلوس في مقعد بالذات دون غيره قد يفضح اقتناعاتنا وطموحاتنا إلى هذا الحد, ولا أنه قد يتسبب في قتل رجل بريء, لأنه دون أن يغيّر مكانه, غيّر صفته ورتبته.

Malina
مديرة المنتدى
مديرة المنتدى

انثى
المساهمات : 23028
النقاط : 27539
التقيم : 68
السن : 29
الجنسية : الجزائر
نوع المتصفح : الفايرفوكس
المزاج :
المهنة :
الهواية :
السمعة :
رسالة sms
everybody makes mistakes:
that' s why they put erasers on pencils


معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://malina.yoo7.com 14

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تقنية رد: فوضى الحواس )"الفصل الثاني"( للكاتبة المتميزة >>أحلام مستغانمي <<

مُساهمة من طرف Malina في 21.08.08 23:26

وها أنا إذن, أمام شرح آخر لموته, شرح لا يبرئني أيضاً من دمه, ما دمت بجلوسي جواره, حولته في نظر الآخرين من سائق إلى ضابط, وجعلته بالتالي هدفاً مفضلاً لرصاصهم.

أفكّر فجأة في غرابة القدر الذي أبدع هذه المرة في كتابة نهاية لحياة هذا الرجل, الذي عاش جندياً بسيطاً.. خمسين سنة. ثم مات برتبة ضابط كبير.

لقد بلغ أحلامه في اللحظة الأخيرة من عمره. ومات بتهمة أحلامه. وربما سعيداً بها. ألم يمت ضابطاً في المكان الذي يحبه الأكثر في قسنطينة؟ الجسور!

المكان نفسه الذي من الأرجح, أن يكون قد حارب فيه منذ ثلاثين سنة, وجازف فيه بحياته أكثر من مرة. ولكن الموت لم يأخذه يومها, لأنه لم يرده جندياً متنكراً في برنس المجاهدين, أو شهيداً في عملية فدائية. تلك ميتة عادية.

أرداه بعد ثلاثين سنة, جندياً يجلس في مقعد ضابط جزائريّ.. ليموت برصاص جزائريّ.

إن ميتة كهذه, وحدها ميتة استثنائية!



تذهب بي الأفكار بعيداً. بين السخرية والألم, أتوقف في محطات للنّدم.

لقد قتلت ذلك الرجل, لا بجنوني فقط, وإنما بطبيعتي أيضاً. وتواضعي المبالغ فيه الذي يجعلني أصر على الجلوس جواره, لأهدي إليه وهم التساوي بي.

في الواقع, التواضع كلمة لا تناسبني تماماً. أن تتواضع يعني أن تعتقد أنك مهم لسبب أو لآخر, ثم تقوم بجهد التنازل والتساوي لبعض الوقت بالآخرين, دون أن تنسى تماما أنك أهم منهم.

هذا الشعور لم أعرفه يوماً. لقد كنت دائما امرأة لفرط بساطتها, يعتقد كل البسطاء, وكل الفاشلين حولها أنها منهم.

ولم يكن من أمل في تغيري: لقد ولدت اقتناعاتي معي. أنا أحب هؤلاء الناس, أتعلم منهم أكثر مما أتعلم من غيرهم, أرتاح لهم أكثر مما أرتاح لغيرهم, لأن العلاقات معهم بسيطة, وأكاد أقول جميلة. بينما العلاقات مع الناس المهمين – أو الذين يبدون كذلك – هي علاقات متعبة ومعقدة.. أي علاقات فاشلة!

ولذا كانت لي مع ذلك الرجل علاقة, أكتشف الآن جمالية تلقائيتها.

* * *



موت عمي أحمد قلب حياتنا رأساً على عقب.

فأمام اقتناع زوجي بأنه هو الذي كان معنياً بذلك الاغتيال, قرر أن يأخذ تدابير أمنية جديدة. أولها الاستغناء عن سيارته الرسمية. والتنقل من الآن فصاعدا في سيارة عادية يغيّرها بين الحين والآخر.

ثانياً إحضار سائق جديد.. لن يرافقني إلا للمشاوير الضرورية, على أن أجلس خلفه هذه المرة, ولا أفتح معه أي حديث.

أما تنقلاتي فستقتصر هذا الأسبوع على زيارة بيت عمي أحمد, لتقديم التعازي لأهله. بينما تكفّل زوجي بإرسال خروف. وأتوقع أن يكون زراهم هذا الصباح.

أما مشواري الثاني, فسيكون لزيارة أمي وتوديعها, قبل ذهابها إلى الحج, للمرة الثالثة.. أو الرابعة.. لا أدري بالتحديد. فلا أحد يدري هنا عدد حجات الآخر. مذ شاعت ظاهرة المزايدة في كلّ ما له علاقة بمظاهر التقوى.

فهل من عجب أن أصاب هذا الأسبوع بإحباط, شبيه بالانهيار العصبيّ, وأنا أتنقل من بيت بائس يعلو منه صوت القران, وعويل نسوة مرتديات السواد, مات فيه المعيل الوحيد لسبعة أشخاص, إلى بيتٍ تتنقل فيه أمي بثوبها وشالها الأبيض, وحولها نسوة من كل الأعمار, لبسن كلّ ما في خزانتهن من صيغة وأثواب أنيقة, وجئن يودّعنها للمرة العاشرة. أو بالأحرى جئن ليقنعنها للمرة العاشرة بأنهن لا يقللن عنها ثراء, وبإمكانهن الذهاب إلى الحج أكثر من مرة لو شئن.

وطبعاً سيكون بينهن بعض نساء الضباط اللائي جئن مجاملة لي. واللائي سيطاردنني بالأسئلة عن "الحادث" تحسباً لما قد ينتظر أزواجهن من مفاجآت.

ولكنني كنت منذ عدّة أيام, قد فقدت رغبتي في الكلام, وكان حضورهن الباذخ استفزازاً لحزني

كن نساء الضجر, والبيوت الفائقة الترتيب, والأطباق الفائقة التعقيد, والكلمات الكاذبة التهذيب, وغرف النوم الفاخرة البرودة, والأجساد التي تخفي تحت أثواب باهضة الثمن.. كل ما لم يشعله رجل.

وكنت أنثى القلق, أنثى الورق الأبيض, والأسرة غير المرتبة, والأحلام التي تنضج على نار خافتة, وفوضى الحواس لحظة الخلق.

أنثى عباءتها كلمات ضيقة, تلتصق بالجسد, وجمل قصيرة, لا تغطي سوى ركبتي الأسئلة.

منذ الصغر كنت فتاة نحيلة بأسئلة كبيرة. وكانت النساء حولي ممتلئات بأجوبة فضفاضة.

ومازلن دجاجات, ينمن باكراً. يقُقْنَ كثيرًا, ويقتتن بفتات الرجولة, وبقايا وجبات الحب التي تقدم إليهن كيفما اتفق. ومازلت أنثى الصمت, وأنثى الأرق.

فمن أين آتي بالكلمات, كي أتحدث إليهن عن حزني؟

يومها, لم ينقذني سوى مرور ناصر مصادفة بالبيت. فتحججت به. لأترك مجلس النساء وأخلو به.

هوذا ناصر أخيراً..

لا أذكر كم مر من الزمن على آخر لقاء لنا. فلم يحدث خلال سنوات زواجي الخمس أن زارني أكثر من مرة في العام.

أما بقية لقاءاتنا, فكانت تتم هنا في بيتنا, خلال الأعياد أو المناسبات العائلية.. أو مصادفة مثل اليوم. وكأننا لا نسكن المدينة نفسها.

لقاؤنا الأخير, كان في عيد الفطر الماضي. بدا لي يومها على غير عادته قلقاً وصامتاً. عادة, يقبلني بشوق. نتبادل بعض أخبارنا. ونضحك أحيانا ونحن نستعيد بعض ذكرياتنا المشتركة. ولكنني احترمت وقتها صمته, ومضيت.

ناصر يصغرني بثلاث سنوات. ولكنه كان دائما توأم حزني وفرحي, وتوأم رفضي أيضاً.

ثم انكسر شيء بيننا فجأة, منذ زواجي. حل محله شيء من العتاب الصامت, الذي فسرته في البدء بالغيرة. فقد كان ناصر متعلقاً بي. كنت كل عائلته, كل اقتناعاته, كل مفخرته. هو الذي فشل في الدراسة وتحول تاجراً في عمر ما زال فيه الآخرون يواصلون دراستهم. وكان يرفض أن يأتي رجل غريب ويسرق منه كل شيء كان ينفرد بامتلاكه. حتى إنه قلما لفظ اسم زوجي أمامي. وكأنه لا يعترف بوجوده.



أذكر منذ سنتين, حاولت أن أناقشه في هذا الموضوع. قلت له "لقد مرّ على زواجي ثلاث سنوات.. وحان لك أن تتقبل هذا الأمر.. إنه مكتوب".

ولكنه فاجأني متذمراً:

-مكتوب؟ أن ينهبوا البلاد.. أن يفرغوا أرصدتنا.. ويسطوا على أحلامنا.. ويستعرضوا ثرواتهم على مرأى من بؤسنا. ربما كان هذا مكتوباً.. أما أن يتزوج هؤلاء السفلة بناتنا.. ويمرغوا أسماء شهدائنا في المزابل.. فليس هذا مكتوباً.. أنت التي كتبته وحدك!



ناصر عمره سبع وعشرون سنة. يصغرني بثلاث سنوات, ويكبرني بقضية.

لقد جاء العالم هكذا حاملا قضية معه, كما نحمل أسماءً لا نختارها, إذا بنا نشبهها في النهاية. ربما لأن أبي الذي كان مأخوذا بشخصية عبد الناصر, أثناء حرب التحرير, أراد أن يعطيه اسما مطابقا لأحلامه القومية. إذا به دون أن يدري يعطيه اسمين: اسمه كواحد من كبار شهداء الجزائر, ولقباً لأكبر زعيم عربيّ.



ناصر تقاسم كل شيء مع الوطن, يتمه.. واسمه الذي لم يعد اسمه. ناصر عبد المولى, كان الطفل المدلل لذاكرة الوطن. ولكن ليس بالضرورة طفل الوطن المدلل. ولد باسم أكبر منه, وضع على كتفيه برنساً للوجاهة.

وكانت تلك مصيبته.

ليس سهلاً أن تكون ابن رمز وطني. دون أن تشعر بالبرد تحت ذلك المعطف الفاخر السميك.

فماذا تراه كان يلبس, تحت ذلك المعطف. ليتدفأ في زمن الخيبات؟

ماذا تراه كان يخبئ تحت برنس الصمت؟

أقبله بشوق. أبادره كعادتي بلهجة قسنطينية, مسروقة كلماتها من قاموس الأمومة:

-واش راك.. يا اميمة توحشتك..؟

يجيب:

- مليح.. يعيّشك.

ويجلس في جبته البيضاء مقابلا لي. استنتج أنه عائد من الصلاة, أو ذاهب إليها. فلم يحدث أن التقيت به, إلا وكان بين صلاتين.. أو بين قضيّتين.

كما الآن, عندما أقول له, وكأنني أبحث عن موضوع أبادره به:

- لقد جئت لأودع "ما".. يبدو أنه لن تشبع من الحج..

فيجيبني:

-لقد قلت لها إن أجرها سيكون أعظم لو تصدقت بثمن حجتها إلى فقراء العراق ولكنها لم تصدقني...

فأصمت ولا أدري كيف أواصل معه الحديث.



ناصر لم يشف بعد من حرب الخليج. عند بدء الاجتياح العراقيّ كان يعيش مشتتاً.. مضطرباً. ينام وهو من أنصار صدام حسين, ويستيقظ وهو يدافع عن الكويت.

ثم ما كادت الأحداث تأخذ منحى المواجهة العسكرية والتحالف العالمي ضد العراق, حتى انحاز نهائيا إلى العراق مأخوذا ب"أم المعارك".

كان مثل الجميع يراهن على المستحيل, ويحلم بمعركة كبرى.. نحررّ بها فلسطين!

ولكنه عند سقوط أول صواريخ عراقية على إسرائيل ووقوعها على أراض قاحلة, طلبني ليلاً ليقول لي "أهذا هو السكود الذي كان يهدد به صدام العالم.. إنه ليس أكثر من "تحميلة" وضعتها إسرائيل في مؤخرتها..!".

ضحكت.. ولم أتوقع أن يكون لهذه الحرب كلّ ذلك التأثير في ناصر.

كانت تلك الفترة هي الوحيدة التي كان خلالها ناصر يتردد عليّ, ربما ليجد أحداً ينقل إليه تذمره وسخطه لا أكثر. فقد كان يدري, أن بإمكانه أن ينقل إلي أية عدوى من هذا القبيل.

كذلك اليوم الذي زارني فيه وفاجأني جالسة أمام أوراقي. وكنّا في عزّ تلك الفجائع, وما تلاها من إهانات. فراح يؤنبني وكأنني ارتكبت ذنباً في حق أحد. مردداً:

- لا أفهم من أين لك القدرة على مواصلة الكتابة وكأن شيئاً لم يحدث. لا هذه الأرض التي تتحرك تحت قدميك.. ولا هذا لدمار الذي ينتظر أمة بكاملها منعاك من الكتابة.. توقفي.. تأملي الخراب حولك. لا جدوى ممّا تكتبين..

قلت كمن يعتذر:

- ولكنني كاتبة..

صاح بي:

- ولأنك كاتبة عليك أن تصمتي.. أو تنتحري. لقد تحولنا في بضعة أسابيع إلى من أمة كانت تملك ترسانة نووية.. إلى أمة لم يتركوا لها سوى السكاكين.. وأنت تكتبين. وتحولنا من أمة تملك أكبر احتياطي مالي في العاغلم, إلى قبائل متسولة في المحافل الدولية.. وأنت تكتبين. هؤلاء الذين تكتبين من أجلهم.. إنهم ينتظرون أن يتصدق عليهم الناس بالرغيف وبالأدوية.. ولا يملكون ثمن كتاب. أما الآخرون فماتوا. حتى الأحياء منهم ماتوا.. فاصمتي حزناً عليهم..!

لا أظن أن ناصر كان يتوقع, أنه بهذه الكلمات التي ربما غيّر رأيه فيها بعد ذلك, قد غير مساري في الكتابة, وأرغمني على الصمت سنتين.

... سنتين كاملتين, تعلمت فيهما أن أحتقر كلّ أولئك الكتاب, الذين في الجرائد والمجلات واصلوا الحياة دون خجل, أمام جثمان العروبة.

كنت أرى القنوات الأمريكية, تتسابق لنقل مشاهد "حية" عن موت جيش عربي يمشي رجاله جياعا في الصحارى. يسقطون على مدى عشرات الكيلومترات كالذباب في خنادق الذل, مرشوشين بقنابل الموت العبثيّ, دون أن يدروا لماذا يحدث لهم هذا.

وأرى قوافل البائسين. هاربة بالشاحنات من بلد عربي إلى آخر. تاركة كلّ شيء خلفها, بعد عمر من الشقاء.. دون أن تفهم لماذا.

وأرى الكويتييّن يرقصون في الشوارع حاملين الأعلام الأمريكية. مقبّلين صور بوش, مهدين الجنرال شوارزكوف حفنة من تراب الكويت. ولا أفهم كيف وصلنا إلى كلّ هذا.

وحده رجل غير مكترث بنا, لم يفقد قريباً في أي حرب من الحروب التي ارتجلها, ولا فقد في زمن المجاعة, ولو شيئاً من وزنه, كان يظهر على الشاشات, يمارس السباحة على مرأى من غرقنا.

واعداً إيانا بمزيد من الانتصارات.

Malina
مديرة المنتدى
مديرة المنتدى

انثى
المساهمات : 23028
النقاط : 27539
التقيم : 68
السن : 29
الجنسية : الجزائر
نوع المتصفح : الفايرفوكس
المزاج :
المهنة :
الهواية :
السمعة :
رسالة sms
everybody makes mistakes:
that' s why they put erasers on pencils


معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://malina.yoo7.com 14

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تقنية رد: فوضى الحواس )"الفصل الثاني"( للكاتبة المتميزة >>أحلام مستغانمي <<

مُساهمة من طرف Malina في 21.08.08 23:27

خلال تلك الفترة.. لم تفارقني فكرة الانتحار. ولم يمنعني من تحقيقها سوى فجيعة أمّي بموتي.

في الواقع كنت أبحث لي عن موت "استعراضيّ" كبير لا يشبه في شيء بندقية الصيد المتواضعة التي أطلق بها خليل حاوي, رصاصة على جبينه في 7 حزيران 1982 احتجاجا على اجتياح إسرائيل للبنان, على مرأى من كل الأخوان والجيران العرب, بعد أن قال لأصدقائه "أين هذه الأمة؟ من العار أن أقول أنا عربي أمام هذا التفرج المخزي".

كنت أريد لي انتحارا على قدر فجيعتي, شبيها بانتحار الكاتب الياباني مشيما, الذي بعد أن سلم الجزء الرابع والأخير من روايته الرباعية, إلى المطبعة. توجه ذات صباح أحد, لتنفيذ الفصل الأخير من حياته كما خطط له إعلاميا, بعد أن قرر الانتحار, احتجاجا على خروج اليابان مذلولة من الحرب العالمية أمام أمريكا, وضياع شخصيتها القومية أمام الغزو الغربي.

الجميل أنه استعد لموته, بأخذ دروس خاصة بالمصارعة والفروسية, والكمال الجسماني. ما مكنه من أخذ قائد القوات اليابانية كرهينة, والتوجه بخطاب حماسي إلى ألف جندي ياباني, كانوا مجتمعين لمناسبة وطنية.

وعندما لم يترك خطابه أثرا في ذلك الجيش المهزوم, عاد ميشيما إلى غرفة قائد القوات. وارتدى اللباس التقليدي الياباني. عاقدا أربطته وأزراره برباطة جأش ملحوظة. ثم دعا المصورين ليأخذوا له صورا, رفقة جيشه الصغير, المكون من مائة شاب, أعدهم للموت دفاعا عن عظمة اليابان. ووقف ممسكا بسيفه السامورائي المحظور, لينتحر مباشرة أما عدسات المصورين, هو ومساعده, وفقا لطريقة الهاراكيري الرهيبة في الانتحار, الواحد تلو الاخر.

سلاما ميشيما.

أينما كنت أيها الصديق, أقبل جبين رأسك المفصول عن جسدك. والملقى منذ نوفمبر 1970 عند أقدام الوطن, رفضا أبديا لذل الانحناء لأمريكا.

ما زلت اتساءل: أكنا وقتها متفائلين أم سذجا كي ننحاز إلى أمة متمادية في هزيمتها وعنادها, كي تنجز بتفوق كل ذلك الاخفاق!

في تلك الفترة أصبح ناصر ضرورة يومية, لبقائي على قيد العروبة, مزايدا علي في كل شيء, رافضا أن أشتم أمامه نظاما عربيا بالتحديد. فإما أن أشتمها واحدا.. واحدا.. [لأسباب يسردها علي مطولة مفصلة.. ومقنعة] أو أصمت. ففي شتم نظام عربي دون آخر بالنسبة إليه, ما يفوق جريمة السكوت عنه.

أذكر كان يمر بي أحيانا؛ يقضي برفقتي بعض الوقت, ثم يمضي قائلا "كان الله في عون هذه الأمة, نصف حكامها عملاء, والنصف الآخر مجانين!".

ثم فجأة تغير ناصر.

لم يعد يحدثني عن الستة والعشرين مليارا التي تبخرت من خزينة الدولة الجزائرية, ولا عن أصدقائه, الذين انضموا إلى لوائح آلاف الطلبة والشباب القسنطينيين, الجاهزين للدفاع عن العراق, والاستشهاد تحت علمها, الذي اضيف إليه للمناسبة "الله أكبر", وهو ما جعل بعض الساخرين يقترح أن يضاف إلى العلم الجزائري شعار "الله غالب" أي لا نستطيع شيئا من أجلكم... ولا عن تلك الإشاعات التي كان يصدقها الجميع, والتي كانت تقول إن إسرائيل حصلت على صاروخ يطول الجزائر, وهي تستعد لضرب قسنطينة.

وهو ما جعل الناس يعيشون لمدة شهر, على أهبة حرب, كأنهم يتمنون حدوثها لمتعة الجهاد.. أو لولعٍ بالاستشهاد.



لا أدري.. أهو الذي فقد شهيته للكلام, أم أنا التي فقدت حماسي لكلّ القضايا, ودخلت في حالة ذهول من أمري.

بين خيباته الوطنية, وإفلاس أحلامه القومية, غسل يديه من العروبة, أو على الأصح, توضأ ليجد قضيته الجديدة في الأصولية.

وأنا التي عشت دائما متأخرة عنه بقضية, لم أفهم ما الذي كان يحدث له بالتحديد. ولماذا هو بين لقاء وآخر, يصبح بعيدا, يصبح غريبا عني إلى هذا الحد.

حتى إنني لم أعد أجرؤ على أن أتبادل معه ضحكة أو نكتة كعادتي. لم أعد أجرؤ حتى على مخالفة رأيه, خشية أن يجادلني ويناقشني بمنطق ليس لي من جواب عليه.

أحاول استدراجه للحديث أقول:

- لقد أنقذتني بقدومك.. فأنا لا صبر لي على هذا الرهط من النساء.

يجيب:

- لقد اخترت أن تدخلي هذا العالم.. وعليك الآن أن تتقبليه.

أشعر أنني على وشك أن أنفجر في وجهه. ولكنني أهدئ نفسي, فأقول بصوت مؤثر, وكأنني أستجدي منه لطفا:

-ناصر.. أنت تدري تماما أن هذا الجو ليس جوي. ولن نعود إلى الحديث في هذا الموضوع. أنا متعبة, ومرهقة. لقد مات عمي أحمد منذ ثلاثة أيام على مقربة مني. ما حدث له أمر مريع.. شيء لا يصدق!

أتوقع منه كلمة مواساة, أو كلمة يترحم بها على روحه. ولكنه يصمت. ولا أدري أمن تأثره, أم لأن الأمر لا يعنيه, أم..؟

تذهب أفكاري بعيدا. وفي لحظة أتصور الاحتمالات الأكثر جنونا. وصوت ذلك الضابط يعود فجأة ليسألني "هل أخوك على علم بتنقلاتك؟" فأجيبه "لا.. إنه لا يسكن معي" فيرد "أنا أعرف ذلك".

...لولا أن صوت ناصر يأتي بعد صمت طويل لينقذني من سكتة قلبية وهو يقول:

- رحمه الله.. كان رجلا طيبا.

أكاد أشكره. أرتمي فجأة عليه. أقبله وأجهش بالبكاء. فلا يملك إلا أن يحتضنني.

دموعي تسيل لتبلل لحيته التي تلتصق بخدي, وتعطيني إحساسا غريبا. أشعر كأنه أبي.. هو الذي كان دائما ابني.

يسألني وهو يضمني إليه.

- واش بيك حياة..؟

لا أجيب. أتمتع بضمته لي, بحنانه المفاجئ. أشعر فجأة؛ بأنني كنت في حاجة إلى حنان دون أن أدري, وأنه منذ سنوات لم يحدث لأحد أن ضمني بحنان, فقط بحنان, دون شهوة ولا رغبة.

أقول له وسط دموعي:

- ناصر.. عاملني بحنان.. هل يجوز الحنان في شريعتك؟ أنت كل ما أملك في هذه الدنيا. إذا شئت لا تكن معي. ولكن لا تكن ضدي. هذا يؤلمني كثيرا. أنت الذي تضع جثمان أبي دائما بيننا.. وتزايد على الجميع في رفع اسم الشهداء.. لم يكن أبي يريد لنا قدرا كهذا.. لا أريد أن يأتي يوم نصبح فيه أعداء, فقط لأننا لا نفكر بالطريقة نفسها.

من منا كان يبكي لحظتها؟ لا أدري.

أدري فقط أن بعض الضحكات كانت تأتيني من الغرفة الأخرى, حيث تتسامر نساء ينتظرهن عند الباب سائق لم يمت بعد, وأنني قررت أن أغادر البيت دون أن أودعهن.



لم أعد أذكر أي حدث بالتحديد كان سببا لانهياري, بعد ذلك, وأوصلني حدّ فقدان شهية الحياة.

لا شيء كان يغريني, ولا أحد كانت تعنيه حياتي.

أمي كانت مشغولة عني بحجتها. زوجي مشغول عني بمسؤولياته. وأخي بقضيته, والبلد بمواجهاته. وعندما أردت أن أجد لنفسي رجلا وهميا, أطلقوا الرصاص على أوهامي.

هذه مدينة, لا تكتفي بقتلك يوما بعد آخر, بل تقتل أيضا أحلامك, وتبعث بك إلى مخفر, لتدلي بشهادتك في جريمة أوصلتك إليها الكتابة.

زوجي الذي لم يكن له من وقت, ليحاول فهمي, ولا كان يدري ماذا يجب أن يفعل بي, هو يراني أنغلق على نفسي كمحار, قرر أن يبعث بي إلى العاصمة لأرتاح بعض الوقت على شاطئ البحر, حتى مرور تلك الزوبعة.

وكانت تلك أجمل فكرة خطرت في ذهنه منذ زمن بعيد. وهدية القدر التي.. لم أتوقعها.

Malina
مديرة المنتدى
مديرة المنتدى

انثى
المساهمات : 23028
النقاط : 27539
التقيم : 68
السن : 29
الجنسية : الجزائر
نوع المتصفح : الفايرفوكس
المزاج :
المهنة :
الهواية :
السمعة :
رسالة sms
everybody makes mistakes:
that' s why they put erasers on pencils


معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://malina.yoo7.com 14

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تقنية رد: فوضى الحواس )"الفصل الثاني"( للكاتبة المتميزة >>أحلام مستغانمي <<

مُساهمة من طرف r brigad في 04.09.08 0:20

شكرا مالي



[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]



[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

r brigad
مدير المنتدى
مدير المنتدى

ذكر
المساهمات : 48708
النقاط : 48211
التقيم : 202
السن : 28
الجنسية : المملكة المغربية
نوع المتصفح : الفايرفوكس
المزاج :
المهنة :
الهواية :
السمعة :
رسالة sms

جميل أن تحس أنه هناك من يحبـك ويقدرك، لكن صعب أن تعلم أنه بدرجة حبك بدرجة صعوبة الموقف!!





إمضاء مصغر :

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.malina.expressif.fr r.brigad@hotmail.fr rbrigad@yahoo.fr rbrigad

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى